أصحاب المعصومين عليهم السلام

 أصحاب المعصومين عليهم السلام


 أبان بن تغلب ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

أبان بن تغلب بن رباح البكري الجريري الكِندي الربعي الكوفي ، ويكنى بـ( أبو سعيد ) .

ولادته :

لا توجد  لدينا معلومات دقيقة عن  تاريخ ولادته ومحلِّها .

مكانته العلمية :

كان أبَّان محدثاً ، فقيهاً ، قارئاً ، مفسراً ، لغوياً ،من الرجال المبرّزين في العلم ، ومن حملة فقه آل محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، وكان لعظم منزلته إذا دخل المدينة تقوَّضت إليه الحِلَق ، وأُخليت له سارية النبي ( صلى الله عليه وآله ) .

وكان له عند الأئمة ( عليهم السلام ) من آل محمد ( صلى الله عليه وآله ) منزلة وقدم .

فقال له الإمام الباقر ( عليه السلام ) :

( اجلس في مسجد المدينة ، وأفتِ الناس ، فإنِّي أُحبُّ أن يُرى في شيعتي مثلك ) .

وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) لمسلم بن أبي حيَّة :

( ائت ِأبان بن تغلب، فإنه قد سمع مني حديثاً كثيراً، فما روى لكفاروه عني ) .

وكان أبان من الشخصيات الإسلامية التي امتازت باتقاد الذهن ، وبُعد الغور، والاختصاص بعلوم القرآن ، وهو ممن أجمعوا على قبول روايته وصدقه .

وكان معروفاً بكثرة الرواية ، حتى قيل : إنه روى ثلاثين ألف حديث ، وكان من أعاظم القرَّاء ، بل كان يقرأ القرآن الكريم بطريقة خاصَّة عُرفت بين القرَّاء .

وكان يُعدُّ من أُلي الرأي الحصيف في الحديث ، والفقه ، والأدب ،واللغة ، والنحو .

روايته للحديث :

وثَّقه علماء الرجال الشيعة ، وأيَّد وثاقته محقِّقو الرجال من أهل السنة ، كأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وأبي حاتم ، والنسائي .

أخذ الفقه والتفسير عن أئمَّة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فقد حضر عند الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) .

ومن بعده عند الإمام الباقر ( عليه السلام ) ، ثم عند الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، فهو من كبار أصحابهم ، والثقات في رواياتهم .

وروى أيضاً عن أبي حمزة الثمالي ، وزرارة بن أعين ، وسعيد بن المسيَّب .

الراوون عنه :

روى عنه : أبَّان بن عثمان الأحمر ،وإبراهيم بن الفضل الهاشمي ، وحفص بن البختري ، وجميل بن درَّاج النخعي ، وسيف بن عميرة ، وسعدان بن مسلم ، وعبد الله بن سنان ، وعبد الله بن مُسكان ، وعبد الرحمان بن الحجاج البجلي ، وعلي بن رئاب ، ومالك بن عطية الأحمسي ، ومعاوية بن عمار الدهني ، ومنصور بن حازم ، وهشام بن سالم الجواليقي ، وآخرون .

مؤلفاته :

نُسبت إلى أبان كتب لم تصِل إلينا ، ولم ترد أسماؤها في الفهارس ، وفي ما يأتي نذكر بعضاً منها :

1 – معاني القرآن .

2 – كتاب القراءات .

3 – الغريب في القرآن .

4 – الفضائل .

5 – كتاب صفيِّن .

وفاته :

كانت وفاته ( رضوان الله عليه ) سنة ( 141 هـ ).


إبراهيم بن أبي البلاد السلمي ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

 إبراهيم بن يحيى بن سليم – أو سليمان – ، مولى بني عبد الله بن غَطَفان ، ويُكنّى بـ( أبي يحيى ) ، كما في رجال الكشّي ورجال النجاشي ، كان أبوه أبو البلاد مقرئاً نحوياً .

مكانته :

 كان محدّثاً ، فقيهاً ، قارئاً ، أديباً ، ثقة ، انتهل من نمير علم الأئمة الصادق والكاظم والرضا ( عليهم السلام ) ، حيث عُدَّ من أصحابهم ، وتلقَّى عنهم العلوم والحديث والفقه .

وكان ذا منزلة رفيعة ، جليل الشأن ، وكان ضريراً يروي الشعر ، وله يقول الفرزدق : ( يا لَهفَ نفسي على عينيك من رجل ) .

وأرسل له الإمام الرضا ( عليه السلام ) رسالة مدحه فيها وأثنى عليه ، نقلها الكشي ، حيث قال ( عليه السلام ) ابتداءً منه :

( إبراهيم بن أبي البلاد على ما تحبُّون ) .

روايته للحديث :

هو كوفي متَّفق على وثاقته ، حيث وثقّه كل من ترجم له ، روى عن كل من الإمام الصادق ، والإمام الكاظم ، والإمام الرضا ، والإمام الجواد ( عليهم السلام ) ، إذ كان من المعمَّرين .

وروى إبراهيم عن : أبيه أبي البلاد ، وأبي بلال المكي ، وإبراهيم بن عبد الحميد ، وإسماعيل بن محمد بن علي بن الحسين ، والحسين بن المختار ، وزرارة بن أعين ، وزيد الشحَّام ، وسدير الصيرفي ، وسعد الأسكاف ، وعبد السلام بن عبد الرحمن بن نعيم ، وعلي بن المغيرة ، وعمر بن يزيد ، ومعاوية بن عمار الدهني ، والوليد بن الصبيح ، وآخرين .

كما روى عنه : محمد بن الحسن الصفّار ، وابنه يحيى ، وابن محبوب ، وجعفر بن محمد ، والحسين بن سعيد ، وعلي بن أسباط ، ومحمد بن إسماعيل ، ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب ، ومحمد ابن سهل ، وموسى بن القاسم ، ويحيى بن المبارك ، وآخرون .

وقد وقع إبراهيم هذا في ( 66 ) مورداً من الكتب الأربعة .

وفاته :

لم نظفر بتاريخ وفاته ، إلا أنه كان حياً سنة ( 183 هـ )


إبراهيم الخراساني ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

إبراهيم بن أبي محمود الخراساني .

مكانته :

عاصرالإمام الكاظم والإمام الرضا ( عليهما السلام ) ، كما أدرك الإمام الجواد ( عليه السلام ) .

وقد كان ثقة ، وثَّقَهُ كل من ترجم له من الإمامية ، مثل : النجاشي ، والطوسي ، والعلامة الحلي .

وهو من أهل الحديث والرواية ، مصنِّف ، مكفوف البصر ، عُدَّ في أصحاب الإمام الكاظم والإمام الرضا ( عليهما السلام ) ، دعا له الإمام الجواد ( عليه السلام ) بالجنة .

وصنَّف إبراهيم كتاب مسائل ، رواه عنه أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري ، ولم يذكر الشيخ الطوسي عمَّن أخذها .

روايته للحديث :

روى عن الإمامين الكاظم والرضا ( عليهما السلام ) ، وإبراهيم هذا هو الذي روى عن الإمام الرضا ( عليه السلام ) خبر فضل البكاء على الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، حيث قال الرضا ( عليه السلام ) :

( إنّ َالمحرَّم شهرٌ كان أهل الجاهليَّة يُحرِّمون فيه القتال ، فاستُحِلَّت فيه دماؤنا، وهتك حرمتنا، وسُبي فيه ذرارينا نساؤنا، وأُضرمت النيران في مضاربنا، وانتُهبت ما فيها من ثقلنا ، ولم تُرعَ لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حرمةٌ في أمرنا.

إنَّ يوم الحسين أقرح جفوننا، وأسبل دموعنا ، وأذلّ َعزيزنا بأرض كربٍ وبلاء ، وأورثنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء ، فعلى مثل الحسين فليبكِ الباكون، فإنّ َالبكاء يحطّ الذنوب العظام ) .

الراوون عنه :

وقد روى عن إبراهيم الخراساني : إبراهيم بن هاشم ، وأحمد بن محمد بن عيسى ، والحسين بن سعيد الأهوازي ، وعلي بن أسباط ، وعبد العظيم بن عبد الله الحسني ، وغيرهم .

وقد وقع إبراهيم هذا في ما يقرب من ( 32 ) مورداً في الكتب الأربعة .

وفاته :

لم نعثر على تاريخ وفاته ، إلا أنه كان حياً قبل سنة ( 220 هـ ) .


ابن السكيت ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

يعقوب بن إسحاق ، اللغوي ، النحوي ، الراوي ، الشيعي المذهب ، كنيته ( أبو يوسف ) ، و( السُكيت ) لقب أبيه إسحاق ، وعُرِف أبوه بهذا اللقب لفرط سكوته .

ولادته :

ولد في الدورق ، قرب الأهواز في خوزستان .

دراسته وأساتذته :

رحل من خوزستان إلى بغداد مع أُسرته ، وأفاد فيها من دروس أساتذة كبار كأبي عمرو الشيباني ، والفرًّاء ، وابن الأعرابي ، والأثرم ، ونصران الخراساني ، وكلّهم كانوا من أعلام العلم والأدب آنذاك .

وما لبث أن صار في مصافَّ علماء عصره كابن الأعرابي ، وأبي العباس ثعلب ، وعُرف كأحد كبار فقهاء اللغة وصيارفة الكلام .

مكانته العلمية :

كان لابن السكّيت دور بالغ الأهمّية في جمع أشعار العرب وتدوينها ، مضافاً إلى نشاطاته الملحوظة في النحو واللغة .

وكان عالماً بالقرآن ونحو الكوفيين ، ومن أعلم الناس باللغة والشعر .

قال ابن خلكان : ذكر بعض الثقاة أنّه ما عبر على جسر بغداد كتاب من اللغة مثل كتاب ( إصلاح المنطق ) لابن السكّيت .

وكان شديد التمسّك بالسُّنة النبوية ، والعقائد الدينية ، فقام بجمع الروايات ونقلها مع اهتمامه بجمع الشعر العربي وتدوينه .

وعدًّه الذهبي قوياً في دينه ، برّاً محسناً ، وأشارت مصادر أُخرى إلى أنّه استمات في حبِّ أهل البيت ( عليهم السلام ) .

وذهب النجاشي إلى أنّه كان من خاصّة الإمامين الجواد والهادي ( عليهما السلام ) ، وأشار إلى رواياته عن الإمام الجواد (عليه السلام ) .

روايته للحديث :

كان ابن السكّيت من الرواة الثُقات ، لا يطعن عليه بشيء ، وروى عن الإمام الجواد ( عليه السلام ) ، وعن الأصمعي ، وأبي عبيدة .

كما روى عنه : أبو سعيد السكري ، وأبو عكرمة الضبي ، ومحمّد بن الفرج المقرئ ، ومحمّد بن عجلان الإخباري ، وميمون بن هارون الكاتب ، وغيرهم .

مؤلفاته :

له مؤلّفات لا تزال مخطوطة نذكر المطبوع منها ما يلي :

1 – إصلاح المنطق .

2 – الأضداد .

3 – الألفاظ .

4 – القلب والإبدال .

شهادته :

روي أنّ المتوكّل العباسي كان قد ألزمه تأديب ولديه ( المعز والمؤيد ) ، فقال له يوماً : أيّهما أحب إليك ابناي هذان أم الحسن والحسين ؟ فأجابه ابن السكّيت ( رضوان الله عليه ) : والله أنّ قنبراً خادم علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) خير منك ومن ابنيك .

فأمر المتوكّل جلاوزته ، فأخرجوا لسانه من قفاه ، فمات ( رضوان الله عليه ) ، وكان ذلك في الخامس من شهر رجب سنة ( 244 هـ ) .


ابن شاذان ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

أبو محمَّد الفضل بن شاذان بن خليل الأزدي النيسابوري ، متكلِّم وفقيه إمامي ، نسبه ينتهي إلى قبيلة الأزد العربيَّة .

ولادته :

لم نعثر على تاريخ ولادته .

أخباره :

كان أبوه شاذان بن خليل يُعدُّ من محدِّثي الإماميَّة ، وابنه كان أحد المعتمَدين الثُّقات بين علماء الإماميَّة في خراسان أيام الإمام العسكري ( عليه السلام ) .

وقد ذكر الكِشِّي صلته الوثيقة بالإمام ( عليه السلام ) ، وكان أبرز بُعدٍ علميٍّ في شخصية ابن شاذان هو كلامه .

كما ذكره الشيخ الطوسي بوصفه متكلِّماً جليلاً ، وعدَّه المحقِّق الحِلِّي من الطِراز الأول بين فقهاء الإماميَّة .

وكان المترجَم له أحد الرُواة في سلسلة أسناد كثيرة من أحاديث الإماميَّة ، ونَصَّ النجاشي على توثيقه .

مؤلفاته :

بلغت كتبه ( 180 ) كتاباً ، وبعضها في الكلام والفقه ، وذكرها النجاشي في رجاله ، والطوسي في فهرسته .

ونذكر منها ما يلي :

1 – الإيضاح .

2 – إثبات الرجعة .

3 – الطلاق .

4 – العِلَل .

5 – الفرائض الكبير .

6 – الفرائض الأوسط .

7 – الفرائض الصغير .

8 – مسائل البلدان .

9 – يوم وليلة .

وفاته :

مرض ابن شاذان ( رضوان الله عليه ) في أواخر سنة ( 259 هـ ) ، ووافاه الأجل في أوائل عام ( 260 ) هـ .

وقبره ( رضوان الله عليه ) الآن في مدينة نيسابور .


أبو الأسود الدؤلي ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل بن يعمر بن حَلس ابن نفاثة بن عدي بن الدئل بن بكر بن عبد مناة ، من قبيلة كِنَانة .

ولادته :

المُرجّح عند المؤرخين أنه ولد في الجاهلية قبل الهجرة النبوية بـ ( 16 ) عاماً .

إسلامه :

كان أبو الأسود ممن أسلم على عهد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وغالب الظن أن أبا الأسود دخل الإسلام بعد فتح مكة وانتشاره في قبائل العرب ، وبعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) انتقل إلى مكة والمدينة .

مواهبه العلمية :

كان أبو الأسود – من خلال ملكاته النفسية – يميل إلى المجالات الثقافية والفكرية ، ونرى ذلك واضحاً في أعماله وآثاره ، فقد أكَّد المؤرخون والمترجمون على ذلك .

وقد شعر أبو الأسود نفسه بما يملكه من مواهب ، فأخذ بتزويد نفسه من مختلف المجالات الثقافية المتعارفة آنذاك ، سواء المجالات التي تتصل بالشريعة الإسلامية ، كالفقه ، والقرآن الكريم ، والأحاديث الشريفة ، أو غيرها كاللغة ، والنحو ، والأدب .

أساتذته :

اتجه أبو الأسود في عقيدته الدينية لأهل البيت ( عليهم السلام ) ، وربما نشأ هذا الاتجاه في نفسه منذ بداية إسلامه .

وبما أنه كان من التابعين والشيعة – كما يجمع على ذلك المؤرخون – فلابد أن يكون أكثر اتصالاً وصحبة للإمام علي ( عليه السلام ) وللصحابة من شيعته ومواليه .

وقد روى أبو الأسود عن أمير المؤمنين والحسن والحسين وعلي بن الحسين ( عليهم السلام ) ، وروى أيضاً عن أبي ذر وابن عباس وغيرهم .

تلاميذه :

هناك بعض الأفراد أخذوا العلم من أبي الأسود ، ودرسوا على يَدَيه ، وخاصة علم النحو والعربية ، وقراءة القرآن الكريم ، وقد رووا عنه أيضاً بعض الروايات الشريفة .

يقول ابن الأثير في ( الكامل ) ، في حوادث سنة تسعين من الهجرة : وفيها توفي نصر بن عاصم الليثي النحوي ، وقد أخذ النحو عن أبي الأسود الدؤَلي .

ويقول أيضاً في حوادث سنة تسع وعشرين ومِائة : وفيها مات يحيى بن يعمر العدوي بـ ( خُرَاسان ) ، وكان قد تعلَّم النحو من أبي الأسود الدؤَلي ، وكان من فُصحاء التابعين ، وغيرهما من النحاة والقُرّاء الذين كان لهم دورهم الثقافي آنذاك .

وفي ( الروضات ) : وقيل أن أبا الأسود خَلَّف خمسة من التلامذة ، منهم عطاء ، والآخر أبو حرب – وهما ابناه – ، وثلاثة آخرين ، وهم : عنبسة ، وميمون ، ويحيى بن النعمان العداوني .

وفي ( بهجة الآمال ) : وبالجملة ، لأبي الأسود تلامذة فُضَلاء ، منهم سعد بن شداد الكوفي النحوي المُضحِك ، المعروف بـ ( سعد الرابية ) .

سيرته :

رغم توجه أبو الأسود واهتمامه الكبير بالمجالات الثقافية نراه قد شارك في الكثير من الحوادث والأنشطة السياسية والاجتماعية لتلك الفترة الحاسمة من تاريخ الإسلام .

ومن الجدير به أن يشارك في مثل هذه الممارسات ، لِمَا كان يملكه من خصائص ومؤهلات ، فقد وُصِف بالعقل ، والذكاء ، والتدبير ، والفقاهة ، وغيرها مما يوجِّه له الأنظار .

ومما يفرض على ولاة الأمور أن يسندوا إليه بعض المهام التي تتلاءم ومؤهلاته ، وأكثر ما وصفه مترجموه أنه كان مُتَّسِما بالعقل ، وأنه من العقلاء .

ولعل مرادهم من هذا التعبير حُسن التصرف والتدبير ، والحِنْكة في إدارة الأمور ومعالجة القضايا .

وقد نشأ ذلك من مواهب ذاتية ، ومن تربية جيدة ، ومن خلال تجاربه في الحياة كما صَرَّح بذلك نفسه .

أقوال العلماء فيه :

لو راجعنا كتب الرجال – سواء عند الشيعة أو أهل السنة – لرأينا أكثرها متفقة على مدح أبي الأسود بمختلف التعابير التي تدل على مدحه ، ولو أردنا استعراض أقوالهم وآرائهم في ذلك لطال المجال .

فقد ذكره الشيخ الطوسي في عدة مواضع من رجاله مكتفياً بأنه من أصحاب أمير المؤمنين والحسن والحسين وعلي بن الحسين ( عليهم السلام ) وأنه مِمَّن رَوى عنهم .

وفي كتاب ( اختيار معرفة الرجال ) : ( أبو الأسود الدؤَلي من أصفياء أصحاب أمير المؤمنين والسبطين والسجاد ( عليهم السلام ) وأجِلاَّئهم ) .

وهذه الألفاظ تدل على مدحه إنْ لم نَقُل أنها تدل على توثيقه .

ويقول الشيخ المامقاني في ( تنقيح المقال ) بعد ترجمة موسعة له : ( ثُمَّ لا يُخفى أن الرجل من الحسان لكونه شيعياً ممدوحاً بما سَمعتُ ) .

وفي ( عمدة عيون صحاح الآثار ) : ( أبو الأسود الدؤلي هو من بعض الفضلاء الفصحاء من الطبقة الأولى ، ومن شعراء الإسلام وشيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ) .

ويقول أبو الفرج في ( الأغاني ) : ( وكان أبو الأسود من وجوه التابعين ، وفقهائهم ، ومُحدِّثيهم ) .

وقال في ( غاية النهاية ) عنه : ( ثقة جليل ) .

ولكن يمكن أن نقول أن توثيق الرجل لا ينحصر بهذه الألفاظ المعينة ، بل يمكن استفادة توثيقه من بعض القرائن والأحوال ، كتأمير الإمام ( عليه السلام ) له على الجيش ، أو ولايته على بلد ، أو من سيرة حياته .

وفاته :

اتفقت أكثر الروايات على وفاته في سنة ( 69 هـ ) ، وكذلك اتفق أكثر المؤرخين على تحديد عمره حين وفاته بـ ( 85 ) عاماً .


أبو أيوب الأنصاري ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

خالد بن زيد بن كُلَيب  الأنصاري الخزرجي ، وهو مشهور بكنيته ( أبو أيوب )  .

إسلامه :

أسلم أبو أيوب قبل هجرة النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى المدينة ، وشهد العقبة .

قصة الناقة :

كان الرسول ( صلى الله عليه وآله ) قد دخل المدينة مختتماً بمدخله هذا رحلة هجرته الظافرة ، ومستهلا أيامه المباركة في دار الهجرة التي ادَّخر لها القدر ما لم يدخره لمثلها في دنيا الناس .

وسار الرسول وسط الجموع التي اضطرمت صفوفها وأفئدتها حماسة ، ومحبة وشوقاً ، ممتطيا ظهر ناقته التي تزاحم الناس حول زمامها ، كُلٌّ يريد أن يستضيف رسول الله .

 وبلغ الموكب دور بني سالم بن عوف ، فاعترضوا طريق الناقة قائلين :

( يا رسول الله ، أقم عندنا ، فلدينا العدد والعدة والمنعة ) .

ويجيبهم الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وقد قبضوا بأيديهم على زمام الناقة :

( خَلّوا سَبيلَها فَإِنَّها مَأمُورة ) .

ويبلغ الموكب دور بني بياضة ، فَحيّ بني ساعدة ، فحيّ بني الحارث بن الخزرج ، فحيّ عدي بن النجار .

وكل بني قبيلة من هؤلاء يعترض سبيل الناقة ، وملحين أن يسعدهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) بالنزول في دورهم ، وهو يجيبهم وعلى شفتيه ابتسامة شاكرة :

( خَلّوا سَبيلَها فَإِنَّها مَأمُورة ) .

فكان الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ممعناً في ترك هذا الاختيار للقدر الذي يقود خطاه ، ومن أجل هذا ترك هو أيضاً زمام ناقته وأرسله ، فلا هو يثني به عنقها ، ولا يستوقف خطاها ، وتوجّه إلى الله بقلبه ، وابتهل إليه بلسانه :

( اللَّهُمَّ خر لِي ، واختَرْ لِي ) .

وأمام دار بني مالك بن النجار بركت الناقة ، ثم نهضت وطوَّفت بالمكان ، ثم عادت إلى مبركها الأول ، وألقت جرانها ، واستقرت في مكانها .

وكان هذا السعيد الموعود ، الذي بركت الناقة أمام داره ، وصار الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ضيفه ، ووقف أهل المدينة جميعا يغبطونه على حظوظه الوافية ، هو البطل أبو أيوب الأنصاري ، الذي جعلت الأقدار من داره أول دار يسكنها المهاجر العظيم والرسول الكريم ( صلى الله عليه وآله ) .

جهاده :

شهد أبو أيوب العقبة ، وشهد بدراً ، وأُحداً ، والخندق ، وسائر المشاهد مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .

وكان بعد وفاة رسول‏ الله ( صلى الله عليه وآله ) من السابقين إلى الولاية ، والثابتين في حماية حقِّ الخلافة ، ولم يتراجع عن موقفه هذا قط .

وعُدَّ من الإثني عشر الذين قاموا في المسجد النبوي بعد وفاة النبي ‏( صلى الله عليه وآله ) ، ودافعوا عن حقِّ الإمام علي ( عليه السلام ) بصراحة .

لم‏ يَدَع أبو أيّوب ملازمة الإمام ( عليه السلام ) وصحبته ، واشترك معه في كافَّة حروبه التي خاضها ضدَّ مثيري الفتنة ، وكان على خيَّالته في النهروان ، وبيده لواء الأمان .

عَقَد له الإمام ( عليه السلام ) في الأيام الأخيرة من حياته الشريفة لواءً على عشرة آلاف ، ليتوجّه إلى الشام مع لواء الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، ولواء قيس بن سعد لحرب معاوية .

ولكنَّ استشهاد الإمام ( عليه السلام ) حال دون تنفيذ هذه المهمَّة ، فتفرَّق الجيش ، ولم يتحقّق ما أراده الإمام ( عليه السلام ) .

روايته للحديث :

كان أبو أيُّوب من الصحابة المكثرين في نقل الحديث ، فروى في فضائل الإمام ( عليه السلام ) أحاديث جَمَّة .

وهو أحد رواة حديث الغدير ، وحديث الثقلين ، وكلام رسول ‏الله ( صلى الله عليه وآله ) للإمام ( عليه السلام ) حين أمره بقتال الناكثين ، والقاسطين ، والمارقين ، ودعوتهِ ( صلى الله عليه وآله ) أبا أيُّوب أن يكون مع الإمام ‏( عليه السلام ) .

وفاته :

تُوفِّي أبو أيّوب ( رضوان الله عليه ) بالقسطنطينيّة ، سنة ( 52 هـ ) ، عندما خرج لحرب الروم ، ودُفن هناك .


أبو بصير المرادي ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

 ليث بن البختري المرادي ، كنيته ( أبو محمَّد ) ، ومشهور بـ( أبي بصير ) .

ولادته :

 ولد في النصف الثاني من القرن الأول الهجري .

مكانته العلمية :

كان من أجَلِّ الرواة فقهاً وعلماً ، ومن ثقات الشيعة وأعلامهم ، ووردت أخبار أشارت بفضله ، وسمّو منزلته .

كان من حواريي الإمامين محمَّد الباقر وجعفر الصادق ( عليهما السلام ) ، وعدَّه جماعة من الذين أجمعت العصابة على تصديقهم ، والانقياد لهم بالفقه .

وقع بعنوان ليث المرادي في إسناد كثير من الروايات ، تبلغ سبعة وخمسين مورداً ، روى فيهما عن الإمام الباقر والإمام الصادق ( عليهما السلام).

وعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال :

( ما أحَدٌ أحيَا ذكرنا وأحاديث أبي ( عليه السلام ) إلاَّ زرارة ، وأبو بصير ليث المرادي ، ومحمَّد بن مسلم ، وبريد بن معاوية العجلي ، ولولا هؤلاء ما كان أحدٌ يستنبط هذا .

هؤلاء حُفَّاظ الدين ، وأمَنَاء أبي ( عليه السلام ) على حَلالِ الله وحرامه ، وهم السابقون إلينا في الدنيا ، والسابقون إلينا في الآخرة ) .

وفاته :

لم نعثر على تأريخ محدّد لوفاته ( رضوان الله عليه ) ، إلا أن الروايات ذكرت بأنه ( رضوان الله ) كان حياً سنة ( 148 هـ ) .


أبو حمزة الثمالي ( رضوان الله عليه )

إسمه ونسبه :

ثابت بن أبي صفية بن دينار الكوفي ، المُلقب أبو حمزة الثمالي ، والثمالي عشيرة من عشائر ( الأزد ) .

نشأته :

نشأ أبو حمزة في ( الكوفة ) ، التي كانت مركزاً للتشيع والولاء لأهل البيت ( عليهم السلام ) .

وقد تتلمذ عند علمائها الذين كانوا يحملون علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) وفقههم ، وأصبح فيما بعد من أبرز علمائها ومشايخها وزهادها .

مكانته العلمية :

كان من أبرز علماء عصره في الحديث ، والفقه ، وعلوم اللغة ، وغيرها ، وقد روى عنه ابن ماجة في كتاب الطهارة .

وكانت الشيعة ترجع إليه في الكوفة ، وذلك لإحاطته بفقه أهل البيت ( عليهم السلام ) .

وفي منزلته يقول الإمام الرضا ( عليه السلام ) :

أبو حَمْزة الثمالي في زمانه ، كَسَلمان الفارسي في زمانه ، وذلك أنه خدم أربعة منا : علي بن الحسين ، ومحمد بن علي ، وجعفر بن محمد ، وبرهة من عصر موسى بن جعفر ( عليهم السلام ) .

وقال الشيخ عباس القمي في ( الكنى والألقاب 2 / 118 ) :

الثقة الجليل ، أبو حمزة الثمالي ثابت بن دينار ، صاحب الدعاء المعروف في أسحار شهر رمضان ، كان من زُهَّاد أهل الكوفة ومشايخها ، وكان عربياً أزديّاً .

روايته للحديث :

روى أبو حمزة الثمالي طائفة كبيرة من الأحاديث عن الأئمة الطاهرين ( عليهم السلام ) ، فقد روى عن الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) ، والإمام موسى الكاظم ( عليه السلام ) .

كما روى عن أبي رزين الأسدي ، وجابر بن عبد الله الأنصاري ، وروى عنه أبو أيوب ، وأبو سعيد المكاري وابن رئاب ، وابن محبوب ، وابن مسكان ، وأبان بن عثمان وغيرهم .

مؤلفاته :

ألَّف مجموعة من الكتب في مختلف العلوم ، تدلل على غزارة علمه ، ومن بينها ما يلي :

1 – كتاب ( النوادر ) .

2 – كتاب ( الزهد ) .

3 – كتاب ( تفسير القرآن ) .

4 – روايته لرسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( عليه السلام ) .

5 – روايته لدعاء السحر المعروف بدعاء أبي حمزة ، عن الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) .

وفاته :

توفي هذا العالم الجليل ( رضوان الله عليه ) سنة ( 150 هـ ) ، وقد خسر المسلمون بفقده ( رضوان الله عليه ) عَلَماً من أعلام الفكر والجهاد في عصره .


أبو ذر الغفاري ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

جُندَب بن جُنادة ، ونسبه المعلوم إلى عدنان يعضد انتماءه إلى قبيلة بني غِفار .

ولادته :

 لم يقدِّم لنا المؤرّخون معلومات عن تاريخ ولادته ، لكنهم لمَّا ذكروا أنه توفّي وهو شيخ كبير ، فلا بد أنه كان قد عَمَّر طويلاً قبل الإسلام .

إسلامه :

ذهب المؤرّخون إلى أنه كان في ثُلَّة الأوائل الذين آمنوا بالإسلام ، وعدُّوه رابعَ أو خامس من أسلم .

موقف شجاع :

كان أبو ذر من الإخلاص والجرأة بحيث وقف في الكعبة ، وأعداء الرسالة كانوا فيها ، ونادى بأعلى صوته : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله .

وبهذه الصورة افتتح تحدِّيه للأصنام ، وتحدِّيه للحكّام الجائرين المتكبرين في مكة ، وأعلن رفضه التام الصريح لهم ، وما كان للمسلمين – يومذاك – مثل هذه الجرأة من التحدي لقريش .

فركض الجميع ، وبدأوا بضرب أبي ذر ، وبدأوا بالشتم والطعن والسب ، وبدأ الناس بالتكاثر ، فلقد كانت وليمة دسمة للارتفاع عند السادة المتكبرين .

وبدأت الإمدادات بالوصول لتوِّها لضرب البطل أبي ذر ، وبقي ثابتاً صامداً رغم قسوة الظروف ، وكثرة الهراوات واللكمات التي تسقط على جسمه ، كان صوته يرتفع : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً رسول الله .

بقي صامداً رغم الضربات القاسية ، فالإرادة والعزيمة والتصميم كانت قوية عنده ، وحينما سقط بأيدي الجهة الطاغية ، استخلصه أحد القوّاد من بين براثن الجهلة المضللين ، قائلاً : أتقتلون الرجل ، وطريقكم على غفار ، تمرُّون عليها بقوافلكم كل يوم ؟!!

فتركوه كارهين ، وهم ينظرون إليه نظرات تشفٍّ وحقد ، والكل يعد ويمنِّي نفسه ، إذا ما وجده بمفرده فلسوف يحرقه بالنار سبعين مرة .

سحب أبو ذر نفسه إلى أن وصل إلى زمزم ، والدماء تسيل من جميع جوارحه ، فغسل جميع جراحاته ، ونظَّف جسمه من الدم ، وكأنه يقول : مرحباً بدماء الحرية ، لقد وجدت هويتي في هذه الدماء ، هذه وثيقة إرادتي الحرة ، وضريبة العقيدة التي لا تلين أمام زيف الباطل ، رغم قوته .

ثم اتَّجه نحو المنبع الفكري ، اتجه إلى الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، ليستزيد منه علماً وتجربة ، وليأخذ منه التعاليم والدروس الحركية .

إن أبا ذر سيكرر المشهد ثانية ، لكن سيعيدها بزخم أكبر وأشد قوة ، بعد أن استزاد من توجيهات الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، قوة فوق قوة ، وصلابة فوق صلابة .

فقد قال ( صلى الله عليه وآله ) : ( قل الحق وإن كان مُرّاً ) .

وقال ( صلى الله عليه وآله ) : ( لا تَخَف في الله لَومَة لائم ) .

وإن الطغاة يحسون أبا ذر ثقيلاً عليهم ، فهو صعب الاستمالة .

وكرر التجربة وقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .

سحبوه وضربوه حتى كاد أن يموت ، وأثخنوه بجراحات كبيرة ، ولكنهم لم يستطيعوا أن يثنوه عن عزمه ، لو كانوا يفعلون بالجبل ما فعلوه بأبي ذر ، لكان قد أصبح قاعاً صفصفاً ، لكنه بقي صامداً .

فالمؤمن أشدُّ من الجبل ، لأن الجبل يستقلّ منه المعاول ، والمؤمن لا يستقل من دينه شيء .

جهاده في زمن النبي ( صلى الله عليه وآله ) :

 قَدِم أبو ذر إلى المدينة المنورة سنة ( 6 هـ ) ، فأسكنه النبي ( صلى الله عليه وآله ) في المسجد ، مع عِدَّةٍ من المسلمين الفقراء ، وهؤلاء هم المشهورون بأصحاب ( الصُّفَّة ) .

وقد شهد أبو ذر عدداً من الغزوات مثل غزوة الغابة ، كما شهد سَرِيَّة قرب المدينة .

وخَلَفَ النبيَّ ( صلى الله عليه وآله ) على المدينة في غزوة بني المصطلق ، وعُمرة النبي ( صلى الله عليه وآله ) سنة ( 7 هـ ) فاضطلع بأعمالها ، ورفع لواء بني غفار ، وهم ثلاثمِائة في فتح مكة ، ومرَّ به على أبي سفيان .

منزلته :

يتمتع هذا الصحابي الجليل بمنزلة رفيعة مرموقة خاصة بين الإمامية ، ويسمُّونه والثلاثة الآخرين معه ( سلمان والمقداد وعمّار ) الذين ثبتوا على ولائهم للإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) بـ( الأركان الأربعة ) .

وتدل الروايات المأثورة عن الأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) في أبي ذر على أنهم كانوا ينظرون إليه كرجلٍ زاهد كامل ، وقوله وعمله أسوة للشيعة ، وكانوا ( عليهم السلام ) يحدثون شيعتهم دائماً بسيرته ومواعظه .

وحريٌّ بالذكر أن نص النبي ( صلى الله عليه وآله ) على صدقه في الحديث المتواتر المشهور :

( مَا أظلَّت الخضراء ومَا أقَلَّت الغبراء أصدَق لهجةً من أبي ذرٍّ ) .

دفع علماء الشيعة والسنة إلى الثناء عليه و تمجيده .

موقفه من بيعة أبي بكر :

عندما انتقل النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى جوار ربه ، واستُخلف أبو بكر سنة ( 11 هـ ) ، كان أبو ذر في الصفوة التي أقبلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، رافضاً بيعة أبي بكر ، ثم بايعه مُكْرَهاً .

وبلغ في القُرب من أمير المؤمنين ( عليه السلام ) درجةً أنه كان معه في الخاصة من أصحابه عند تشييع السيدة فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) ودفنها .

موقفه من عثمان :

ساء أبو ذر ما رأى من ممارسات عثمان في المدينة ، وعامله معاوية في دمشق مِن مثل محاباته قُرباه بالأعمال المهمة .

ودفعه الأموال الطائلة ، وكنز الثروات ، والتبذير والإسراف ، وانتهاك السُّنّة النبوية ، فامتعض منهما وغضب عليهما .

فأراد عثمان إبعاده عن المدينة ( عاصمة الخلافة ) ، فأتفق مع معاوية على إبعاده إلى الشام ، ولما وصل إلى الشام بقي هناك على نهجه في التصدي إلى مظاهر الإسراف والتبذير لأموال المسلمين ، وظل صامداً بالرغم من محاولات معاوية في ترغيبه في الدنيا وتطميعه .

وبعد أن عجز عنه معاوية راسل عثمان في شأنه ، فطلب عثمان من معاوية أن يُرجِع أبا ذر إلى المدينة بُعنف ، فأركبه معاوية على جمل بلا غطاء ولا وطاء .

ولمَّا دخل المدينة منهَكاً متعَباً حاول عثمان أن يسترضيه بشيءٍ من المال ، فرفض ذلك ، وواصل انتقاده للنظام الحاكم والأسرة الأموية ، فغضب عثمان وأمر بنفيه إلى الرَّبَذة ، ليُبعده عن الناس .

نفيه إلى الربذة :

عند خروجه من المدينة متوجّهاً إلى منفاه ( الرّبذة ) ، شايعه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وبعض مقرَّبيه ، على الرغم من الحظر الذي فرضه عثمان .

وتكلّم الإمام ( عليه السلام ) عند توديعه كلاماً بليغاً ، أثنى فيه على أبي ذر ، وذمَّ عثمان وأعوانه .

وموقف الإمام ( عليه السلام ) هذا في مشايعة أبي ذرّ ودعمه أدّى إلى مواجهة شديدة بينه وبين عثمان .

توجَّه أبو ذر إلى الربذة مع زوجته وابنته ، وأقام هناك ومعه بعض الغلمان ، وعدد من الأغنام والجمال إلى صحراء الربذة ، حيث لا ماء ولا كلأ ، وهو مشرد عن وطنه ، وعن حرم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) له .

فحطَّ الرحال ، ونصب الخيمة بمفرده ، وأخذ يستعدُّ للمصير الذي أخبره به النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، حيث قال فيه :

( يَرحم الله أبا ذر ، يَمشي وَحده ، ويَمُوت وحده ، ويُبعَث وحده ، ويشهده عصابة من المؤمنين ) .

وفاته :

في المنفى ( الربذة ) اشتدَّ المرض بولده ، بعد أن ماتت زوجته من فرط الجوع ، فالتحق الولد بأمّه أيضاً ، فدفنه ورجع إلى الخيمة ليستريح .

لكنه ( رضوان الله عليه ) كان جائعاً قد ألمَّ به الطوى ، فأصابه الذهول ، وانهارت قواه ، وهو شيخ طاعن في السن ، فنظرت إليه ابنته ، وإذا بعينيه قد انقلبتا ، فبكت .

فقال ( رضوان الله عليه ) : ما يبكيك ؟

قالت : كيف لا أبكي ، وأنت تموت في فلاة من الأرض ، وليس عندنا ثوب يسعنا كفناً لي ولا لك ، ولا بدَّ لي من القيام بجهازك .

فقال ( رضوان الله عليه ) : أبصري الطريق ، لعلَّ هناك أحداً من المؤمنين .

فقالت يائسة : أنَّى ، وقد ذهب الحاج ، وتقطعت الطريق .

لكن أباها قال لها : أبشري ، فإن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال :

( إنَّ رجالاً من المؤمنين سيدخلونَ الجنة بِتَجهيزِك ) .

فراحت ابنة الثائر العظيم ، ترسل عينيها راجية باكية ، وإذا بركب قادم من بعيد ، أشارت إليهم ، فأسعفوها ، وقالوا : ما لكِ ؟

قالت : أمرؤ من المسلمين ، تُكفِّنُونَه ، وتؤجَرون فيه .

قالوا : ومن هو ؟

قالت : أبو ذر الغفاري ، صاحب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .

قالوا : بآبائنا وأمَّهاتِنا هو .

فدخلوا على أبي ذر في خيمته المتواضعة ، فبادرهم ( رضوان الله عليه ) قائلاً : والله ما كذبت ، ولو كان عندي ثوب يسعني كفناً لي ولابنتي ، لم أكفن إلاَّ في ثوب هو لي ولها .

وإني أنشدكم الله أن لا يكفنني رجل منكم كان أميراً ، أو عريفاً ، أو بريداً ، أو نقيباً .

فلم يُجِبه إلاَّ فتى من الأنصار ، قائلاً له :

إني أكفنك يا عم في ردائي هذا الذي اشتريته بمال كسبته بعملي ، وفي ثوبين من غزل أمي ، حاكتهما لكي أحرم فيهما .

فقال ( رضوان الله عليه ) : أنت تكفِّنُني ، فثوبك هو الطاهر الحلال .

فاستشهد ، وبقي شاهداً على مجتمعه وعلى التاريخ كله ، وكأنه لم يمت .

أغمض الثائر العظيم عينيه ، وودَّع الدنيا شهيداً ، وكانت وفاته ( رضوان الله عليه ) سنة ( 31 هـ ) أو ( 32 هـ ) .


أبو رافع ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

غَلَبتْ عليه كنيتُه ، واختُلف في اسمه ، فقيل : أسلمُ ، وهو أشهر ما قيل فيه ، وقيل : إبراهيم‏ ، وقيل غير ذلك .

منزلته :

أحد الوجوه البارزة في التشيُّع ، ومن السابقين إلى التأليف والتدوين والعلم ، وأحد صحابة الإمام الأبرار .

جوانب من حياته :

كان أبو رافع غلاماً للعباس عم النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ثم وهبه العباس للنبي ( صلى الله عليه وآله ) .

ولمّا أسلم العباس وبلغ أبو رافع رسولَ‏ الله ( صلى الله عليه وآله ) بإسلامه ، أعتقه‏ .

شهد أبو رافع حروب النبي ( صلى الله عليه وآله ) كلها إلا بدراً ، ووقف بعده إلى جانب الإمام أمير المؤمنين ‏( عليه السلام ) ، ثابت العقيدة ، ولم يفارقه .

وهو أحد رواة حديث الغدير ، وعُدّ من أبرار الشيعة وصالحيهم ، وكان مع الإمام ( عليه السلام ) أيضاً في جميع معاركه‏ ، وكان مسؤولاً عن بيت ماله بالكوفة .

ذهب أبو رافع مع الإمام الحسن ( عليه السلام ) إلى المدينة بعد استشهاد الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ووضع الإمام الحسن المجتبى ( عليه السلام ) نصف بيت أبيه تحت تصرفه .

في رجال النجاشي عن أبي‏ رافع : دخلت على رسول‏ الله ( صلى الله عليه وآله ) وهو نائم ، أو يوحى إليه ، وإذا حَيَّة في جانب البيت ، فكرهت أن أقتلها فأوقظه ، فاضطجعت بينه وبين الحيَّة ، حتى إن كان منها سوء يكون إليَّ دونه ، فاستيقظَ وهو يتلو هذه الآية :

( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) المائدة : 55 .

ثمّ قال ( صلى الله عليه وآله ) :

( الحمدُ لله الذي أكمل لعلي مُنيته ، وهنيئاً لعلي بتفضيل الله إيَّاه ) .

ثمّ التفت فرآني إلى جانبه ، فقال ( صلى الله عليه وآله ) :

( ما أضجَعَكَ هَاهُنا يا أبا رافع ؟ ) .

فأخبرته خبر الحيّة .

فقال ( صلى الله عليه وآله ) : ( قم إليها فاقتلها ، فقتلتها ) .

ثم أخذ رسول‏ الله ( صلى الله عليه وآله ) بيدي فقال :

( يا أبا رافع ، كيف أنت وقوم يقاتلون عليّاً هو على الحق وهم على الباطل ، يكون في حقِّ الله جهادهم ، فمن لم يستطِع جهادهم فبقلبه ، فمن لم يستطع فليس وراء ذلك شي‏ء ؟ ) .

 فقلت : اُدعُ لي إن أدركتهم أن يُعينني الله ويُقوِّيني على قتالهم .

فقال ( صلى الله عليه وآله ) : ( اللَّهُم إن أدركهم فقوِّه وأعِنْه ) .

ثمَّ خرج إلى الناس ، فقال ( صلى الله عليه وآله ) :

( يَا أيُّها الناس ، مَن أحبَّ أن ينظر إلى أميني على نَفسي وأهلي ، فهذا أبو رافع أميني على نفسي‏ ) .

آثاره العلمية :

لأبي رافع كتاب كبير عنوانه ( السُّنن والقضايا والأحكام ) ، يشتمل على الفقه في أبوابه المختلفة ، رواه جمع من المحدِّثين الكبار ، وفيهم ولده .

وله كتب اُخرى منها ، كتاب ( أقضية أمير المؤمنين ) ، و( كتاب الديات ) وغيرهما .

وفاته :

روي أنَّه ( رضوان الله عليه ) توفي سنة ( 40 هـ ) .


أبو سعيد الخدري ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

سعد بن مالك بن شيبان بن عبيد الأنصاري الخزرجي  ، مشهور بكنيته ( أبو سعيد ) .

ولادته :

وُلد في السنة العاشرة قبل الهجرة .

جوانب من حياته :

شهد أبو سعيد الخدري الخندقَ وبيعة الرضوان ، وقال أبو سعيد : عُرضتُ يوم أُحد وأنا ابن ثلاث عشرة ، فجعل أبي يأخذ بيدي ويقول : يا رسول الله إنّه عبل – ضخم – العظام ، و جعل نبي الله ( صلى الله عليه وآله ) يصعِّد في النظر ويصوِّبه ، ثم قال ( صلى الله عليه وآله ) : ( رُدَّهُ ) .

فردَّني .

كان أحد الصحابة والوجوه البارزة المشهورة من الأنصار ، وكان من المحدِّثين الكبار ، وفي عداد رواة حديث الغدير ، وحديث المنزلة .

ويُعدّ من أجِلاَّء الصحابة الذين كانت لهم مواقف مشرِّفة مع أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ومن الذين شهدوا لعلي ( عليه السلام ) بالولاية يوم الغدير .

رُوي أن علياً ( عليه السلام ) قام فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال :

( أنشِدُ الله من شهد يوم غدير خُمٍّ إلاَّ قام ) .

فقام سبعة عشر رجلاً ، وكان أبو سعيد الخدري منهم .

ولم يترك مرافقة أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) ، وكان إلى جانبه في معركة النهروان .

ذهب إلى معاوية ابن أبي سفيان ليوصل إليه صوت الحق ، وتعرَّض للضرب والاعتداء على يد جيش يزيد بن معاوية ، بعد واقعة الحرَّة .

عاصر من المعصومين الرسولَ الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) ، والإمام علياً ، والإمام الحسن ، والإمام الحسين ، والإمام السجاد ( عليهم السلام ) .

ما قيل فيه :

قال الإمام الصادق ( عليه السلام  ) :

( كان من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وكان مستقيماً ) .

وقال ابن كثير : كان من نجباء الصحابة ، وفضلائهم ، وعلمائهم .

وقال الخطيب البغدادي : وكان أبو سعيد من أفاضل الأنصار ، وحفظ عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حديثاً كثيراً .

وفاته :

في كتاب أُسد الغابة : توفي أبو سعيد ( رضوان الله عليه ) سنة ( 74 هـ ) ، ودفن بالبقيع ، وقيل غير ذلك .


أحمد الأشعري القمي ( رضوان الله عليه )

ولادته ونشأته :

وُلد الشيخ أحمد بن محمد بن عيسى بن عبد الله الأشعري القمي في القرن الثالث الهجري ، بمدينة قم المقدسة ، ونشأ في أسرة أصيلة وعريقة ، جُلَّهُم من العلماء والفضلاء .

وقد بدأ بتحصيل العلم والآداب عند والده محمد بن عيسى الأشعري .

مشايخه :

روى عن الإمام الجواد والإمام الهادي ( عليهما السلام ) ، كما روى عن أكابر علماء الشيعة .

ونذكر منهم : والده محمد بن عيسى الأشعري ، وحسين بن سعيد ، ونضر بن سويد ، وعلي بن نعمان ، وصفوان بن يحيى ، ومحمد بن أبي عمير ، ومحمد بن إسماعيل ، وعثمان بن عيسى ، وحماد بن عثمان ، وقاسم بن محمد .

تلامذته :

لقد نقل عنه الرواية الثقاة ، وكبار العلماء ، منهم :
1 – محمد بن حسن الصفار .
2 – سعد بن عبد الله .
3 – علي بن إبراهيم .
4 – داود بن كورة .
5 – أحمد بن إدريس .
6 – محمد بن حسن بن وليد .
7 – محمد بن علي بن محبوب .
8 – سهل بن زياد .

مكانته العلمية :

كان الشيخ أحمد من أبرز الشخصيات العلمية في عصره ، وكان عمدة مدينة قم المقدسة ، وكان يحظى باحترام وتبجيل خاص عند الناس .

كما كانت عنده منزلة عظيمة عند العلماء والفقهاء من الشيعة ، ويُعدّ من كبار رواتهم .

وقد جالس بحضور الإمام الرضا والإمام الجواد والإمام الهادي ( عليهم السلام ) ، ونقل عنهم الكثير من الروايات ، وذكر اسمه في ( 2290 ) سند‏اً روائياً .

يقول عنه الشيخ الطوسي والنجاشي وابن داود والعلامة الحلي : أنه عمدة مدينة قم المقدسة وعظيمها ، وكان من الوجوه الشهيرة والبارزة .

كما كان من أجَلِّ علمائها ، وكان يمثل مدينة قم المقدسة عند الملوك والسلاطين ، لتلبية طلبات الناس ، وتحقيق رغباتهم .

مؤلفاته :

له تصانيف قَيِّمة ، ومعظمها في روايات أهل البيت ( عليهم السلام ) ، نذكر منها :
1 – النوادر .
2 – التوحيد .
3 – فضل النبي ( صلى الله عليه وآله ) .
4 – المتعة .
5 – الناسخ والمنسوخ .
6 – طب الصغير .
7 – طب الكبير .
8 – المكاسب .
9 – الأظلة .
وفاته :

لم نظفر بتاريخ وفاته ( رضوان الله عليه ) ، إلا أنه كان حَيّاً سنة ( 274 هـ ) ، وهو من علماء القرن الثالث الهجري .


أحمد البزنطي ( رضوان الله عليه )

إسمه ونسبه :

أحمد بن محمد ابن أبي نصر البزنطي الكوفي .

منزلته :

قال النجاشي : لقي البزنطي الرضا وأبا جعفر ( عليهما السلام ) ، وكان عظيم المنزلة عندهما .

 وروى الكشي بسنده عنه أحمد أنه قال : دخلت على أبي الحسن ( عليه السلام ) أنا وصفوان بن يحيى ، ومحمد بن سنان ، فجلسنا عنده ساعة ، ثمَّ قمنا .

فقال لي : أما أنت يا أحمد فاجلس ، فجلست ، فأقبل ( عليه السلام ) يحدِّثني ، فأسأله فيجيبني حتى ذهبت عامَّة الليل .

فلما أردت الانصراف قال لي : ( يَا أحمد ، تَنصرف أو تبيت ) ؟

قلت : جعلت فداك ، ذلك إليك ، إن أمرت بالانصراف انصرفت ، وإن أمرت بالقيام أقمت .

فقال ( عليه السلام ) : ( أقم فهذا الحرس ، وقد هدأ الناس وناموا ) .

فقام وانصرف ، فلمَّا ظننت أنه دخل ، خررت لله ساجداً فقلت :

الحمد لله ، حجة الله ، ووارث علم النبيِّين ، أنس بي من بين إخواني .

روايته للحديث :

وقع البزنطي في إسناد جملة من الروايات ، تبلغ زهاء سبعمِائة وثمانية وثمانين مورداً ، وذكر السيد الخوئي ( قدس سره ) أنه : روى عن الإمام الكاظم والإمام الرضا والإمام الجواد ( عليهم السلام ) .

وروى عن أبي بصير ، وأبي جرير القمي ، وأبي جميلة ، وأبي الحسن الموصلي ، وأبي عمارة ، وأبي المغرا ، وأبي الوليد ، وغيرهم .

كما روى عنه :

أبو جعفر ، وأبو طالب ، وأبو عبد الله البرقي ، وأبو عبد الله الرازي ، وابن أبي نجران ، وإبراهيم بن هاشم ، وأحمد ، وأحمد بن أبي عبد الله ، وأحمد بن الأشعث ، وأحمد بن الحسن ، وغيرهم .

مؤلفاته :

من مؤلفاته التي وصلت إلينا ما يلي :

1 – كتاب ( الجامع ) .

2 – كتاب ( النوادر ) .

3 – كتاب نوادر .

وفاته :

توفي هذا العالم الكبير ( رضوان الله عليه ) سنة ( 221 هـ ) ، وقد خسر المسلمون في وقته علماً من أعلام التقوى والفقه .


أحمد بن الحسن الميثمي ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

أحمَد بن الحسن بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم ، نسبةً إلى جدِّه الأعلى ميثم التمّار الشهيد ، وكنيته ( أبو عبد الله ) الكوفي .

مكانته :

كان مُحدِّثاً ومصنفاً ، ثقة ، صحيح الحديث ، معتمَد عليه .

وقال الشيخ الطوسي ( قدس سره ) : صحيح الحديث ، سليم ، ونحوه قال ابن داود ، وذكره ابن حجر فقال : الكوفي الأسدي التَمَّار ، من رؤوس الشيعة .

روايته للحديث :

روى أحمد بن الحسن عن الإمامين الكاظم والرضا ( عليهما السلام ) .

وروى أيضاً عن أبان بن عثمان الأحمر ، وإبراهيم بن مهزم ، والحسين بن المختار ، وعنبسة العابد ، وفيض بن المختار ، ومعاوية بن وهب البجلي ، ويونس بن يعقوب ، وعلي بن يعقوب الهاشمي ، وغيرهم .

الراوون عنه :

محمد بن عبد الله المسمعي ، كما أورد ذلك الشيخ الصدوق في صحيحه حيث قال المسمعي : حدثني أحمد بن الحسن الميثمي أنه سأل الإمام الرضا ( عليه السلام ) يوماً وقد اجتمع عنده قوم من أصحابه ، وكانوا يتنازعون في الحديثين المختلفين عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في الشيء الواحد .

وروى عنه أيضاً : إبراهيم بن هاشم ، وأحمد بن محمد بن عيسى الأشعري ، والحسن ابن محمد بن سماعة الكندي المتوفى ( 263 هـ ) ، فأكثر عنه .

وقد وقع في أسناد جملة من الروايات عن أئمَّة أهل البيت ( عليهم السلام ) تبلغ زهاء خمسة وتسعين مورداً .

كما صنَّف كتاب النوادر ، رواه عنه يعقوب بن يزيد ، وعبيد الله بن أحمد بن نهيك .

وقد وقع أحمد بن الحسن هذا فيما يقرب من ( 95 ) مورداً من الكتب الأربعة .

وفاته :

لم نظفر بتاريخ وفاته ( رضوان الله عليه ) .


أحمد بن محمد البرقي ( رضوان الله عليه )

إسمه ونسبه :

أحمد بن محمد بن خالد بن عبد الرحمن بن محمد بن علي البرقي ، وكنيته ( أبو جعفر ) ، أصله من مدينة الكوفة .

ألقى والي الكوفة يوسف بن عمر جدّه الثالث في السجن ، وقتله بعد شهادة زيد بن علي ، عند ذاك هاجر خالد مع أبيه إلى مدينة قم ، وسَكَنا في قرية تسمى برقه ، فُعرف لأجل ذلك بالبرقي .

مكانته العلمية :

كان من أصحاب الإمامين الجواد والهادي ( عليهما السلام ) ، وكان أحد كبار الفقهاء والمحدِّثين ، واسع الرواية ، ثقة في الحديث ،عارفاً بالسير والأخبار ، وله باع في علم الرجال .

لأجل ذلك إعتبره الكثير من الأفاضل ، وعلماء الرجال الشيعة من الثقات ، منهم النجاشي ، وشيخ الطائفة الطوسي ، والعلامة الحلي ( قدس سرهم ) .

روايته للحديث :

يروي البرقي عن نحو من مِائتي راوٍ ، منهم أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي والحسن بن محبوب ، وحماد بن عيسى .

كما يروي عنه أعلام من قبيل : محمد بن الحسن الصفار ، وعلي بن إبراهيم ، ومحمد بن الحسن بن الوليد .

مؤلفاته :

له مؤلفات كثيرة بلغت أكثر من تسعين ، وصلنا منها :

كتاب ( المحاسن ) المعروف ، الذي يحتوي على مِائة كتاب في موضوعات مختلفة من الفقه ، والأحكام ، والآداب ، وعلل الشرائع وغيرها ، إلا أنه لم يبقَ من هذا الكتاب اليوم إلا أحد عشر كتاباً تم طبعها في مجلدين .

وقد اعتبر العلامة المجلسي محاسن البرقي من الأصول الشيعية المعتمدة ، كما اعتمد الشيخ الصدوق والكليني على كتاب المحاسن ، ورووا عنه الكثير من الروايات .

وفاته :

توفي ( رضوان الله عليه ) في عام ( 274 هـ ) ، أو عام ( 280 هـ  ) .


الأحنف بن قيس ( رضوان الله عليه )

قصة إسلامه :

روي أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أرسل جماعة يرأسهم رجل من بني ليث إلى البصرة ليدعوا أهلها إلى الإسلام والتمسك بفضائله ، لكنه لم يجد أذناً صاغية ، فقال الأحنف للناس : والله أن الرجل يدعو إلى خير ، ويأمر بالخير ، وما أسمع إلا حُسناً ، وأنه ليدعو إلى مكارم الأخلاق وينهى عن رذائلها .

ولما عاد الليثي إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) ذكر له ما جرى هناك وما سمعه من الأحنف ، فقال ( صلى الله عليه وآله ) : ( اللهم اغفر للأحنف ) ، فكان الأحنف بعد ذلك يقول : فما شيء أرجى عندي من ذلك ، يعني من دعوة النبي (صلى الله عليه وآله) ، فَأسلَمَ .

أبرز صفاته :

أدرك الأحنف عصر النبي ( صلى الله عليه وآله ) ولكنه لم يراه ، وكان يُعد من دُهاة العرب ، وكان رجلاً عالماً حكيماً وشجاعاً وصاحب رأي .

وقد تميز بصفة الحلم حتى صار العرب يضربون به المثل فيقولون : ( أحلم من الأحنف ) .

وسُئل ذات مرة كيف أصبحت رئيساً لقومك ؟ ، فقال : بعوني للمحتاجين ونصرتي للمظلومين .

موقفه مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) :

شهد الأحنف بن قيس جميع حروب الإمام علي ( عليه السلام ) ، إلا حرب الجمل ، إذ قال لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) قبل الخروج : يا أمير المؤمنين ، إِختَر مني واحدة من اثنتين ، إما أن أقاتل معك بمئتي محارب ، وإما أن أكف عنك ستة آلاف سيقاتلون مع طلحة والزبير ، فقال أمير المؤنين ( عليه السلام ) : أكفف عنا الستة آلاف أفضل ، فذهب الأحنف إليهم ودعاهم إلى القعود واعتزل بهم ، وكان ذلك سبباً في عدم ذهابه إلى حرب الجمل .

موقفه من خلافة معاوية : روى صاحب أعيان الشيعة :

دخل الأحنف وجماعة من أهل العراق يوماً على معاوية ، فقال له معاوية : أنت الشاهر علينا السيف يوم صفين ، ومخذل الناس عن أم المؤمنين [ عائشة ] ؟ ، فقال له : يا معاوية لا تذكر ما مضى منا ، ولا تردّ الأمور على أدبارها ، والله إن القلوب التي أبغضناك بها ، يومئذٍ لفي صدورنا ، وإن السيوف التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا ، والله لا تمدّ إلينا شبراً من غدر ، إلا مددنا إليك ذراعاً من ختر [غدر] .

وفاته :

توفي الأحنف بن قيس ( رضوان الله عليه ) سنة ( 67 هـ ) في الكوفة .


الأرقم بن أبي الأرقم ( رضوان الله عليه )

سيرته :

كان الأرقم من الأولين السابقين إلى الإسلام ، فقد كان إسلامه قديماً ، وقيل : كان الثاني عشر من الذين أعلنوا إسلامهم ، وكان من المهاجرين الأولين .

شهد الأرقم مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بدراً ، ونَفَلَهُ [ أعطاه من غنائمها ] سيفاً ، واستعمله على الصدقات .

دار الأرقم :

بقي الرسول ( صلى الله عليه وآله ) مدة ثلاث سنوات يدعو الناس إلى الإسلام بشكل سري ، خوفاً من بطش الكفار بالثلة القليلة المؤمنة من الرجال الذين أسلموا بالخفاء .

وبعد أن ازدادت المضايقات من قبل الكفار للنبي ( صلى الله عليه وآله ) وأصحابه ، أخذوا يختفون في دار الأرقم ، يقيمون صلاتهم ومحادثاتهم السرية ، ورويداً رويداً أخذ عددهم يزداد حتى بلغوا أربعين فرداً ، كان أخر من أسلم وانضم إليهم عمر بن الخطاب .

يقع دار الأرقم بن أبي الأرقم في مكة قرب جبل الصفا .

وبعد انتشار الإسلام سُمي بـ ( دار الإسلام ) ، لأن النواة الأولى التي تشكل منها الدين الجديد كانت في هذا البيت المبارك .

وفاته :

توفي الأرقم بن الأرقم ( رضوان الله عليه ) سنة ( 55 هـ ) بالمدينة المنورة ، وعمره بضع وثمانين سنة .


 إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم المروزي ، المعروف بـ( ابن راهَوَيْه ) نسبةً إلى جدِّه راهَوَيه ، وسمي بـ( الحنظلي ) نسبةً إلى بني حنظلة من قبيلة غطفان .

ولادته :

وُلد سنة ( 161 هـ ) .

مكانته العلمية :

كان أحد أئمَّة جمهور المسلمين ، وعلماً من أعلامهم ، ويعدُّ محدِّثاً وفقيهاً وحافظاً ، وقريناً لأحمد بن حنبل .

أقوال العلماء فيه :

قال الخطيب البغدادي : كان أحد أئمَّة المسلمين ، وعلَماً مِن أعلام الدين ، اجتمع له الحديث ، والفقه ، والحفظ ، والصدق ، والورع ، والزهد .

رحل إلى العراق فسمع ، وورد بغداد غير مرَّة ، وجالس حفَّاظ أهلها وذاكرهم ، وعاد إلى خراسان ، فاستوطن نيسابور ، وانتشر علمه عند الخراسانيين .

وقال ابن حجر : إنه أحد الأئمة … لا أعرف له بالعراق نظيراً .

وقال محمّد بن أسلم : كان أعلم الناس ، ولو عاش الثوري لاحتاج إلى إسحاق .

وقال ابن خزيمة : والله لو كان في التابعين لأقرُّوا له بحفظه وعلمه وفقهه .

وقال أبو حاتم : والعجَب من إتقانه وسلامته من الغلط ، مع ما رُزق من الحفظ .

وقال ابن حبَّان في ثقاته : كان إسحاق من سادات زمانه فقهاً ، وعلماً ، وحفظاً ، ونظراً ، ممَّن صنَّف الكتب ، وفرَّع السنن ، وذبَّ عنها ، وقمع مَن خالفها .

روايته :

عَدَّه الشيخ الطوسي ( قدس سره ) في رجاله من أصحاب الإمام الرضا ( عليه السلام ) ، أما الشيخ الصدوق ( قدس سره ) فقد روى عنه من طريق يوسف بن عقيل ( حديث سلسلة الذهب ) المشهور ، وهو كالآتي :

عن إسحاق بن راهويه قال :

لمَّا وافى أبو الحسن الرضا ( عليه السلام ) نيسابور ، وأراد أن يخرج منها إلى المأمون ، اجتمع عليه أصحاب الحديث ، فقالوا له : يا ابن رسول الله ! ترحل عنَّا ولا تحدّثنا بحديث نستفيده منك ؟!

كان قد قعد في ( العمارية ) فأطلع رأسه وقال :

سمعت أبي موسى بنَ جعفر ( عليه السلام ) يقول : سمعت أبي جعفرَ بن محمّد ( عليه السلام ) يقول :سمعت أبي محمد بن علي ( عليه السلام ) يقول : سمعت أبي عليَّ بن الحسين ( عليه السلام ) يقول :سمعت أبي الحسينَ بن علي ( عليه السلام ) يقول :سمعت أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب( عليه السلام ) يقول : سمعت النبي ( صلى الله عليه وآله ) يقول : سمعت الله عزَّ وجل يقول : لا إله إلا الله حصني ،فمَن دخل حصني أمنَ مِن عذابي .

قال :فلمَّا مرَّت الراحلة نادانا : بشروطها، وأنا مِن شروطها .

وفاته :

توفي ليلة النصف من شعبان سنة ( 238 هـ ) .


الأصبغ بن نباتة ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

 أصبغ بن نباتة التميمي الحنظلي المُجاشِعي .

منزلته :

 كان من خاصَّة الإمام أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) ، ومن الوجوه البارزة بين أصحابه ، وأحد ثقاته ، وهو مشهور بثباته واستقامته على حبه .

وصفته النصوص التاريخية القديمة بأنه شيعي ، وأنه مشهور بِحُبِّ علي ( عليه السلام ) .

كان من ( شرطة الخميس ) ، ومن أمرائهم ، عاهد الإمام ( عليه السلام ) على التضحية والفداء والاستشهاد ، وشهد معه الجمل ، وصِفِّين ، وكان معدوداً في أنصاره الأوفياء المخلصين .

وهو الذي روى عهده إلى مالك الأشتر ، ذلك العهد العظيم الخالد ، كان من القلائل الذين أُذن لهم بالحضور عند الإمام ( عليه السلام ) بعد ضربته‏ ، كما عُدَّ الأصبغ في أصحاب الإمام الحسن ( عليه السلام ) أيضاً .

موقف شجاع :

حرَّض الامام علي ( عليه السلام ) أصحابه في صفين ، فقام إليه الأصبغ بن نباتة فقال : يا أمير المؤمنين ، قدِّمني في البقيَّة من الناس ، فإنَّك لا تفقد لي اليوم صبراً ولا نصراً ، أما أهل الشام فقد أصبنا منهم ، وأما نحن ففينا بعض البقية ، أيذن لي فأتقدَّم ؟

فقال الإمام علي ( عليه السلام ) : ( تقدَّمْ بِاسم اللهِ والبَرَكة ) .

فتقدَّم وأخذ رايته ، فمضى وهو يقول :

حتى متى تَرجو البقايا أصب                      إن الرجاء بالقنوط يُدمَ

أما ترى أحداث دهر تنب                        فادبُغْ هواك ، والأديمُ يُدبَ

والرفق فيما قد تريد أبل                                اليوم شغل وغداً لا تفر

فرجع الأصبغ وقد خضَبَ سيفه ورمحه دماً ، وكان شيخاً ناسكاً عابداً ، وكان إذا لقي القوم بعضهم بعضاً يغمد سيفه ، وكان من ذخائر علي ممَّن قد بايعه على الموت ، وكان من فرسان أهل العراق .

آثاره :

له كتاب : مقتل الحسين ( عليه السلام ) .

وفاته :

عمَّر ( رضوان الله عليه ) بعد الإمام علي ( عليه السلام ) طويلاً ، توفي بعد المِائة ، أي : في القرن الثاني .


 أم أيمن ( رضوان الله عليها )

نسبها وإسلامها :

اسمها بركة بنت ثعلبة بن عمرو ، تكنى بـ ( أم أيمن ) ، واشتهرت بهذه الكنية ، وهي مولاة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، وكانت حاضنته بعد وفاة أمه آمنة بنت وهب ، وقد أسلمت قديماً في أول الإسلام .

سيرتها :

تُعدُّ أم أيمن من أولى المهاجرات في سبيل الله ، إذ هاجرت ( رضوان الله عليها ) هجرتين ، الأولى : إلى الحبشة ، والثانية : إلى المدينة المنورة .

وكانت تحب النبي ( صلى الله عليه وآله ) حباً شديداً وكان ( صلى الله عليه وآله ) يبادلها بنفس الاحترام والتقدير حتى قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) فيها:

( أم أيمن أُمي بعد أمي ) ، وقد بكت أم أيمن على وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) بكاءً كثيراً ، فسألوها لماذا تبكين وتكثرين البكاء عليه ؟ ، فقالت : لا يبكيني موت رسول الله ، ولكن أبكي على انقطاع الوحي .

وقد شهدت أم أيمن أُحداً وحنيناً وخيبراً ، وكانت تسقي الماء وتداوي الجرحى ، وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إذا نظر إليها يقول : ( هذه بقية أهل بيتي ) .

كما روت أم أيمن كثيراً من الأحاديث عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وروى عنها عدَّة من الصحابة .

منزلتها :

توجد روايات كثيرة تدل على علوِّ مكانتها ، وأنها من أهل الجنة ، نذكر منها ما يلي :

فقد روي عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) أنه قال في أم أيمن :

( أشهد أنها من أهل الجنة ) .

وروي في رواية أخرى ، أن أم أيمن عطشت عطشاً شديداً بين مكة والمدينة ، وأشرفت على الهلاك ، فتضرعت إلى الله تعالى ، وكانت صائمة ، ولعلوِّ درجتها ومنزلتها عند الله استجاب لها ربها ، فنزل عليها دلو من السماء ، فشربت منه حتى رويت ، وكانت تقول : ما أصابني بعد ذلك عطش ، وقد تعرضت للعطش بالصوم في الهواجر ، فما عطشت بعد تلك الشربة .

دفاعها عن الزهراء ( عليها السلام ) :

روى المجلسي في بحار الأنوار : لما قُبِضَ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وجلس أبو بكر مجلسه ، أرسل إلى وكيل فاطمة ( عليها السلام ) ، فأخرجه من فدك ، فأتته فاطمة (عليها السلام) وقالت له : أخرجت وكيلي من فدك وقد تعلم أن أبي أعطانيها نحلةً ؟! ، وعندي بينة على ذلك ، فقال أبو بكر : هلمي بها .

فجاءت بأُم أيمن تشهد ، فقال لها أبو بكر : يا أُم أيمن هل إنك سمعت من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) شيئاً بخصوص فاطمة ، فقالت : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : إن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة ، ثم قالت : وهل يصح أن تدَّعي سيدة نساء أهل الجنة ما ليس لها ؟! ، وأنا امرأة من أهل الجنة ما كنت لأشهدَ بما لم أكن أسمع من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فقال لها عمر – وكان في المجلس – : أنت امرأة ، ولا نجيز شهادة امرأة وحدها ، فقامت أم أيمن غاضبةً ، وقالت : اللهم إنهما ظلما ابنة محمد ( صلى الله عليه وآله ) نبيك حقها فأشدد وطأتك عليهما .

وفاتها :

اختلفت الروايات في وفاة أم أيمن ( رضوان الله عليها ) ، فمنها قالت : أنه توفيت بعد رحلة النبي ( صلى الله عليه وآله ) بخمسة أشهر ، ومنها : أنها توفيت بعد موت عمر ، وفي خلافة عثمان .


 أويس القرني ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

أويس بن عامر بن جزء بن مالك بن عمرو بن سعد بن عصوان بن قرن المذحجي المرادي .

زهده :

كان أويس زاهداً معرضاً عن ملذّات الدنيا وزخارفها ، وروي أنّه كان لديه رداء يلبسه ، إذا جلس مسَّ الأرض ، وكان يردد قول : اللهم إنّي أعتذر إليك من كبد جائعة ، وجسد عارٍ ، وليس لي إلاّ ما على ظهري وفي بطني .

وروي في زهده أنّ رجلاً من قبيلة مراد ، جاء إلى أويس وسلّم عليه ، وقال له : كيف أنت يا أويس ؟ قال : الحمد لله ، ثمّ قال له : كيف الزمان عليكم ؟ قال : ما تسأل رجلاً إذا أمسى لم يرَ أنّه أصبح ، وإذا أصبح لم يرَ أنّه يمسي .

يا أخا مراد : إنّ الموت لم يبقِ لمؤمن فرحاً .

يا أخا مراد : إنّ معرفة المؤمن بحقوق الله لم تبقِ له فضّة ولا ذهباً .

يا أخا مراد : إنّ قيام المؤمن بأمر الله لم يبقِِ له صديقاً .

منزلته :

كانت لأويس منزلة رفيعة عند النبي والأئمّة ( عليهم السلام ) ، وسنبيّن تلك المنزلة من خلال ما يأتي من الروايات :

1ـ قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( ليشفعن من أمّتي لأكثر من بني تميم وبني مضر ، وأنّه لأويس القرني ) .

2ـ قال الإمام الكاظم ( عليه السلام ) : ( إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ : أين حواري محمّد بن عبد الله ( صلى الله عليه وآله ) الذين لم ينقضوا العهد ومضوا عليه ؟ فيقف سلمان ، والمقداد ، وأبو ذر .

ثمّ ينادي منادٍ : أين حواري علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وصي محمّد بن عبد الله رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟

فيقوم عمرو بن الحمق الخزاعي ، ومحمّد بن أبي بكر ، وميثم بن يحيى التمّار ، وأويس القرني ) .

3ـ قال الكشي في رجاله : كان أويس من خيار التابعين ، ولم يرَ النبي ( صلى الله عليه وآله ) ولم يصحبه ، وهو من الزهّاد الثمانية الذين كانوا مع علي ( عليه السلام ) ومن أصحابه ، وكانوا زهاداً أتقياء .

4ـ قال فيه أبو نعيم ، صاحب حلية الأولياء : سيّد العبّاد ، وعلم الأصفياء من الزهّاد ، بشَّر النبي ( صلى الله عليه وآله ) به ، وأوصى به أصحابه .

5ـ في كتاب خلاصة تهذيب الكمال : أويس القرني سيّد التابعين ، وله مناقب مشهورة .

شهادته :

قاتل أويس القرني ( رضوان الله عليه ) بين يدي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في وقعة صفّين حتّى استشهد أمامه ، فلمّا سقط نظروا إلى جسده الشريف ، فإذا به أكثر من أربعين جرح بين طعنة وضربة ورمية .

وكانت شهادته ( رضوان الله عليه ) في اليوم الثامن من صفر 37 هـ .


 البَراء بن عازب ( رضوان الله عليه )

ولادته :

ولد البراء بن عازب قبل الهجرة بعشر سنين أو اثنتي عشر سنة .

جهاده :

صحب البراء بن عازب النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وكان من أنصاره الأوفياء ، كما شهد أكثر الغزوات ، ويقول : غزوت مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ثماني عشر غزوة .

وكان أول غزوة شارك فيها هي غزوة الخندق ، وأما في غزوة بدر فقد أرجعه الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، ولم يأذن له بالمشاركة هو ومجموعة من شباب الصحابة ، لأن أعمارهم كانت لم تتجاوز الخامسة عشر .

وبعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) والتحاقه بالملأ الأعلى شارك البراء في فتوحات بلاد فارس ، وكان فتح الري على يديه ، وكان ذلك سنة ( 24 هـ ).

كما شهد البراء فتح مدينة تُستر [ شوشتر ] ، وكان مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في حروبه الثلاثة ( الجمل – صفين – النهروان ) .

موقفه من بيعة أبي بكر : روى المجلسي في بحار الأنوار : قال البَراء بن عازب : لم أزل لبني هاشم محباً ، فلما توفي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) تخوفت من قريش ، لأني كنت أحس بأنها تريد أن تُخرج هذا الأمر [ الخلافة ] من بني هاشم .

وبعد إعلان بيعة أبي بكر كان البراء بن عازب ، والمقداد بن الأسود ، وعُبادة بن الصامت ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر ، وحُذيفة ، وأبو الهيثم بن التيهان ، من الرافضين لها .

ولاؤه لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) :

كان البراء من خواص أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وكان يقضي معظم أوقاته عنده ، فيسمع منه ويناظره ، وفي مرة من المرات سأله أمير المؤمنين (عليه السلام) : كيف اعتنقت دين الإسلام ؟ ، فقال له : كنا بمنزلة اليهود قبل أن نتبعك ، تخف علينا العبادة ، فلما اتبعناك ووقعت حقيقة الإيمان في قلوبنا عرفنا معنى العبادة .

وفاته : يقول إبن عبد البر : مات البراء في سنة ( 72 هـ ) .


 بلال الحبشي ( رضوان الله عليه )

ولادته :

ولد بلال بن رباح الحبشي في مكة ، وكان من موالي قبيلة بني جمح ، وأصله من الحبشة ، ولم نعثر على تاريخ ولادته .

سيرته :

يُعدُّ بلال من كبار الصحابة ، ومن السابقين إلى الإسلام ، وتحمل الأذى الكثير في سبيل الله عندما كان في مكة ، شأنه في ذلك شأن الأبرار من الصحابة الذين أسلموا في بداية الدعوة السرية .

وبعد هجرته إلى المدينة المنورة مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أصبح المؤذن الخاص به ، وهو أول من أذن في الإسلام .

وبعد فتح مكة عام ( 8 هـ ) أمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بتهديم الأصنام التي كانت فيها .

وعندما حان موعد صلاة الظهر من ذلك اليوم أمر النبي (صلى الله عليه وآله) بلالاً بالصعود إلى سطح الكعبة ليرفع فيها الأذان لأول مرة .

وما أن ارتفع صوت بلال بنداء التوحيد حتى اقشعرت أبدان ما تبقى من المشركين وتزلزلت الأرض من تحتهم بنداء ( لا إله إلا الله ) الذي خرج من حنجرة بلال ، حتى قال البعض منهم : الموت لنا أفضل من أن نسمع هذا النداء .

ولاؤه للزهراء ( عليها السلام ) :

روي أن بلالاً تأخر في أحد الأيام عن الأذان في المسجد ، فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ما الذي أخرك عنا يا بلال ؟ ، هل حدث لك شيئاً ؟ ، فقال بلال : كنت في بيت فاطمة ( عليها السلام ) فوجدتها تطحن ، والحسن (عليه السلام) يبكي ، فقلت لها : إما أن أساعدك في الطحن أو تدعيني أُسكِت الحسن (عليه السلام) ، فقالت ( عليها السلام ) : الأم أولى بولدها ، فأخذتُ المطحنة وجعلت أطحن القمح ، فكان ذلك سبب تأخيري ، فقال له الرسول ( صلى الله عليه وآله ) : رحمتها رحمك الله .

موقفه من بيعة أبي بكر :

روي أن بلال قال لعمر بن الخطاب : أنا لا أبايع إلا من استخلفه رسول الله (صلى الله عليه وآله) [ يقصد بذلك علياً ( عليه السلام ) ] ، والذي ستبقى بيعته في أعناقنا إلى يوم القيامة ، فقال له عمر : إذن أُغرب عنا وإذهب إلى الشام ، فذهب إلى الشام ومات هناك .

وفاته :

توفي بلال ( رضوان الله عليه ) سنة ( 18 هـ ) أو ( 20 هـ ) في الشام بمرض الطاعون ، وكان عمره بين الستين والسبعين .


 ثابت بن قيس الأنصاري ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

اسمه ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري من قبيلة الخزرج .

سيرته :

كان ثابت بن قيس من صحابة النبي ( صلى الله عليه وآله ) البارزين ، وكان خطيباً في قومه ، شهد أُحداً وباقي الغزوات .

ومن صفاته الأخرى أنه كان يجهر بالقول عند التكلم ، فلما نزل قوله تعالى : ( لا تَرفَعُوا أَصوَاتَكُم فَوقَ صَوتِ النَّبِيِّ ) ، قال ثابت : أنا كنت أرفع صوتي فوق صوت النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وأجهر له بالقول ، فإذن قد حبط عملي ، وأنا من أهل النار .

فانطوى على نفسه وأخذه الوساوس ، فذكروا حاله للرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، فقال ( صلى الله عليه وآله ) : أبلغوه أنه من أهل الجنة وليس من أهل النار .

خطيب الرسول ( صلى الله عليه وآله ) :

روي أنه كان بارعاً في فن الخطابة ، وكان يقال له خطيب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .

كما روي أن وفداً من قبيلة تميم جاء إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) فطلب منه أن يأذن لخطيبهم بالخطابة ، فقام وقال :

( الحمد لله الذي جعلنا ملوكاً ، ووهب علينا أموالاً عظاماً ، وجعلنا أعز أهل المشرق وأكثر عدداً و … ) ، ثم جلس .

فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لثابت بن قيس : قم فأجبه .

فقام ثابت وقال : ( الحمد لله الذي جعل السماوات والأرض خلقه قضى فيهن أمره ، ووسع كرسيه علمه ، ولم يكن شيء قط إلا من فضله ، ثم كان من فضله أنه جعلنا ملوكاً ، واصطفى من خير خلقه رسولاً ، أكرمهم نسباً ، وأصدقهم حديثاً ، وأفضلهم حسباً ، فأنزل الله علينا كتاباً وائتمنه على خلقه ، فكان خيرة الله على العالمين ، ثم دعا الناس إلى الإيمان بالله ، فآمن به المهاجرون من قومه ، وذوي رحمه ، أكرم الناس أحساباً ، وأحسنهم وجوهاً ، فكان أول الخلق إجابة واستجابة لله حين دعاه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) نحن ، فنحن أنصار رسول الله وردؤه ، نقاتل الناس حتى يؤمنوا ، فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه ، ومن نكث جاهدناه في الله أبداً ، وكان قتله علينا يسيراً ، أقول هذا وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات ، والسلام عليكم ) .

وروي أنهم على أثر هذه الخطبة المؤثرة لثابت بن قيس أعلنوا إسلامهم للنبي ( صلى الله عليه وآله ) .

موقفه من بيعة أبي بكر :

يُستفاد من كثير من الروايات بأن ثابت بن قيس كان من أنصار أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) .

فمنها : أن ثابت بن قيس بعد أن همَّ القوم بإحراق دار الزهراء (عليها السلام) لامتناع علي ( عليه السلام ) من مبايعة أبي بكر ، فقال أمير المؤمنين لثابت بن قيس : إن القوم استضعفوني وأرادوا إحراق بيتي ، لأنني ما بايعت أبا بكر ، فقال له ثابت : يا علي هذه يدي بيدك ، وأنا معك ، لا يفرق بيننا إلا الموت .

وفاته :

استشهد ثابت بن قيس الأنصاري ( رضوان الله عليه ) في سنة ( 11 هـ ) باليمامة ، أيام حروب الردة


 جابر بن عبد الله الانصاري ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

جابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان الأنصاري السلمي .

ولادته :

ولد سنة ( 16 ) قبل الهجرة النبوية .

جوانب من حياته :

جابر بن عبد الله الأنصاري ، صحابي ذائع الصِيت ،‏ كان مع أبيه في تلك الليلة التاريخيَّة المصيريَّة ، التي عاهد فيها أهل يثرب رسول ‏الله ( صلى الله عليه وآله ) على الدفاع عنه ودعمه ونصره ، وبيعتهم هي البيعة المشهورة في التاريخ الإسلامي بـ( بيعة العقبة الثانية ) .

لمَّا دخل النبي ( صلى الله عليه وآله ) المدينة ، صحبه وشهد معه حروبه‏ ، ولم يتنازل عن حراسة الحق وحمايته بعده ( صلى الله عليه وآله ) .

كما لم يدَّخر وسعاً في تبيان منزلة أمير المؤمنين الإمام علي ( عليه السلام ) ، والتنويه بها .

عمَّر طويلاً ، لذا ورد اسمه الكريم في ‏صحابة الإمام أمير المؤمنين ، والإمام الحسن ‏، والإمام الحسين ، والإمام السجّاد ، والإمام الباقر ( عليهم السلام ) .

وهو الذي بَلَّغ الإمام الباقر ( عليه السلام ) سلامَ رسول‏ الله ( صلى الله عليه وآله ) له .

وكان قد شهد صِفِّين مع الإمام علي ( عليه السلام ) ، وهو أوَّل من زار قبر الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وشهداء كربلاء في اليوم الأربعين من استشهادهم ، وبكى على الإمام الحسين ( عليه السلام ) كثيراً .

والروايات المنقولة عنه بشأن الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وما أثر عنه من أخبار تفسيريَّة ، ومناظراته ، تدلُّ كُلها على ثبات خُطاه ، وسلامة فكره ، وإيمانه العميق ، وعقيدته الراسخة ، وأما بالنسبة إلى صحيفته فهي مشهورة أيضاً .

وروي أن جابر كان متوكِّئاً على عصاه ، وهو يدور في سِكَك الأنصار ومجالسهم ، وهو يقول : ( علي خير البشر ، فمن أبي فقد كفر ، يا معشر الأنصار ، أدِّبوا أولادكم على حُبِّ علي ، فمن أبى فانظروا في شأن أمِّه ) .

ولأنه لم ينصر عثمان في فتنته ، فقد ختم الحَجَّاج بن يوسف على يده ، يريد إذلاله بذلك‏ .

منزلته عند الأئمة ( عليهم السلام ) :

أثنى الأئمَّة ( عليهم السلام ) على رفيع مكانته في معرفة مقامهم ( عليهم السلام ) ، وعلى وعيه العميق للتيَّارات المختلفة بعد رسول ‏الله ( صلى الله عليه وآله ) ومعارف التشيُّع الخاصَّة ، وفهمه النافذ لعمق القرآن .

وأشادوا به واحداً من القِلَّة الذين لم تتفرَّق بهم السبل بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ولم يستبِقوا الصراط بعده ، بل ظلُّوا معتصمين ومتمسَّكين بحبله .

فعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه قال :

( إِنَّ جابر بن عبد الله الأنصاري كان آخر من بقي من أصحاب رسول‏ الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وكان رجلاً منقطعاً إلينا أهلَ البيت ) ‏.

وفاته :

فارَق جابر ( رضوان الله عليه ) الحياة سنة ( 78 هـ ) ، وعمره ( 94 ) سنة .


 جرير بن عبد الحميد ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

جرير بن عبد الحميد ابن قُرْط الضبِّـي ، يكنى أبو عبد الله الكوفي ، نزيل ( الري ) وقاضيها .

ولادته :

ولد سنة ( 107 هـ ) ، وقيل سنة ( 110 هـ ) .

مكانته :

عدَّه الشيخ الطوسي (قدس سره ) من أصحاب الإمام الصادق ( عليه السلام ) .

وقال الذهبي في ميزان الاعتدال : جرير بن عبد الحميد ، عالم أهل الري ، صدوق ، يُحتجّ به في الكتب ، نقل الإجماع على وثاقته ، وكان حافظاً ، كثير العلم ، يُرحل إليه .

روايته للحديث :

روى عن : إسماعيل بن أبي خالد ، وسليمان الأعمش ، وسفيان الثوري ، وأيوب بن عائذ الطائي ، وعاصم بن سليمان الأحول ، وعبد الله بن شُبْرُمة الضبِّي ، وعطاء بن السائب ، ومحمد بن إسحاق بن يسار ، وغيرهم .

وروى عنه : أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وسليمان بن حرب ، وعبد الله بن المبارك ، وعلي بن المديني ، ومحمّد بن عمرو زُنَيْج ، ويحيى بن معين ، ويعقوب بن إبراهيم الدوْرقي ، وأبو داود الطيالسي ، وغيرهم كثير .

كما روى له أصحاب الصحاح الستة .

وفاته :

توفّي ( رضوان الله عليه ) سنة ( 188 هـ ) .


 جعفر بن عيسى بن عبيد ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

جعفر بن عيسى بن عبيد بن يقطين بن موسى ، أخو الفقيه الجليل محمد بن عيسى بن عبيد .

مكانته :

عُدَّ من أصحاب الإمام أبي الحسن الرضا ( عليه السلام ) ، وكان محدّثاً ، متكلّماً ، فاضلاً .

دخل هو وجماعة على الإمام الرضا ( عليه السلام ) سنة ( 199 هـ ) ، فقال له الإمام ( عليه السلام ) ، وقد سأله جعفر عن الكلام الذي أخذه عن يونس وهشام : ما أعلمكم إلا على هدى .

روايته للحديث :

وقع في إسناد جملة من الروايات عن أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، تبلغ ثمانية عشر مورداً  .

روى عن الإمام الرضا ( عليه السلام ) وعن : جعفر بن عامر الأزدي ، وخالد بن سدير الصيرفي .

وأخذ الكلام عن يونس بن عبد الرحمان ، وهشام بن إبراهيم الختلي المعروف بالمشرقي .

وروى عنه : أخوه محمد بن عيسى ، ومحمد بن إسماعيل


 جميل بن دراج النخعي ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

جميل بن دَرًّاج بن عبد الله النخعي ، ويُكنَّى أبو علي .

مكانته :

كان من كبار الفقهاء ، ووجوه علماء الشيعة ، ثقة ، جليلاً ، كثير الرواية ، أخذ العلم عن الإمامين أبي عبد الله الصادق وأبي الحسن الكاظم ( عليهما السلام ) ، وروى عنهما ، وأخذ عن زرارة بن أعين .

وهو أحد الستة الذين أجمعت الشيعة على تصديقهم ، وأقرّوا لهم بالفقه ، ونُقل عن أبي إسحاق الفقيه : أن أفقه هؤلاء الستة جميل بن دراج ، وهم أحداث أصحاب الإمام الصادق ( عليه السلام ) .

روايته للحديث :

ووقع جميل بن دراج في إسناد كثير من الروايات عن أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، تبلغ خمسمائة وسبعين مورداً .

روى جميل عن : أبي بصير ، وأبي حمزة الثمالي ، وزرارة بن أعين ، وأبان بن تغلب ، ومحمد بن مسلم ، وعمر بن أذينة ، وعبد الله بن بكير ، وإسماعيل بن جابر الجعفي ، وحفص بن غياث ، وحُمران بن أعين ، وآخرين .

روى عنه : الحسن بن محبوب السراد ، ومحمد بن أبي عمير ، وأحمد بن محمد بن أبي نصر ، وجعفر بن محمد بن حكيم ، والحسن بن علي بن فضال ، وحماد بن عثمان ، والحسن بن علي الوشاء ، وغيرهم .

مؤلفاته :

له مؤلفات منها : كتاب اشترك في تأليفه هو ومرازم ابن حكيم ، وله أصل انفرد بتأليفه .

وفاته :

توفي جميل بن دراج ( رضوان الله عليه ) بعد سنة ( 183 هـ ) ، في أيام الإمام أبي الحسن الرضا ( عليه السلام ) .


 جون مولى أبي ذر ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

جون بن حوي ، مولى أبي ذر الغفاري ، من أصحاب الإمام الحسين ( عليه السلام ) .

وعاصر من المعصومين : الإمام علي ، والإمام الحسن ، والإمام الحسين ( عليهم السلام ) .

أخباره :

كان عبداً اشتراه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ووهبه لأبي ذر الغفاري ، فكان عنده .

وخرج معه عندما نُفي إلى ( الربذة ) ، فلما توفّي أبو ذر رجع إلى المدينة ، وانضمَّ إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ثم من بعده إلى الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، ثم إلى الإمام الحسين ( عليه السلام ) .

شهادته :

لما خرج الإمام الحسين ( عليه السلام ) إلى ( كربلاء ) خرج جون معه ، ووقف يوم العاشر من محرم الحرام أمام الإمام ( عليه السلام ) يستأذنه للقتال .

فقال ( عليه السلام ) له : ( يا جون إنما تبعتنا طلباً للعافية ) .

فوقع على قدميه ( عليه السلام ) يقبلهما ويقول : أنا في الرخاء ألحس قصاعكم ، وفي الشدة أخذلكم ، حتى أذن له الإمام ( عليه السلام ) .

فخرج جون إلى القتال وقاتل ، فقتل جماعةً حتى استشهد مع الإمام الحسين ( عليه السلام ) في ( كربلاء ) ، في يوم العاشر من محرم الحرام عام ( 61 هـ ) .

وقد دعا له الإمام الحسين ( عليه السلام )  بعد مصرعه بهذا الدعاء :

( اللَّهُمَّ بَيِّض وجهه ، وطَيِّب رِيحه ، واحشره مع الأبرار ) .


 الحارث بن حصيرة ( رضوان الله عليه )

إسمه ونسبه :

الحارث بن حصيرة الآزدي ، أبو النعمان الكوفي .

مكانته :

عُد من أصحاب الإمامين أبي جعفر الباقر وأبي عبد الله الصادق ( عليهما السلام ) ، وكان أحد مشايخ الشيعة ، محدّثاً ، طويل السكوت .

وثَّقه يحيى بن معين ، والنسائي ، والعجلي ، وابن نُمير ، وذكره ابن حبان في ( الثقات ) .

وقال الآجري عن أبي داود : شيعي صدوق .

روايته للحديث :

روى الحارث عن : زيد بن وهب الجُهني ، وجابر بن يزيد الجعفي ، وعكرمة مولى ابن عباس ، والقاسم بن جندب ، والقاسم بن عبد الرحمان بن عبد الله بن مسعود ، وأبي صادق الأزدي ، وغيرهم .

وروى عنه : سفيان الثوري ، وعبد السلام بن حرب ، ومالك بن مِغْوَل ، وعبد الله بن نُمير ، ومحمد بن كثير الكوفي ، وجعفر بن زياد الأحمر ، وعلي بن عابس ، وأبو إسرائيل المُلائي ، والصباح بن يحيى المُزني ، وآخرون .

كما روى له الشيخان الكليني والطوسي ( قدس سرهما ) بعض الروايات ، رواها الحارث عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) ، والأصبغ بن نباتة ، والحكم بن عتيبة ، وعن رجل حبشي عن الإمام علي ( عليه السلام ) .

ورواها عنه : الصباح المزني ، وسفيان بن إبراهيم الجريري ، وعمرو بن أبي المقدام ثابت بن هرمز .

وفاته :

لم نظفر بتاريخ وفاته ( رضوان الله عليه ) ، إلا أنّ الذهبي ذكره في أهل الطبقة الخامسة عشرة من كتابه ، وهم الذين توفّوا بين سنة ( 141 هـ ) وسنة ( 150 هـ ) .


 الحارث الهمداني ( رضوان الله عليه )

إسمه ونسبه :

الحارث بن عبد الله الهمداني المعروف بالحارث الأعور ، وهو من قبيلة همدان وهي من القبائل التي نزلت الكوفة ، وقادمة من اليمن ، ولها بطون كثيرة .

وعُرفت هذه القبيلة بالتشيع للإمام علي ( عليه السلام ) وأهل بيته الطيبين الطاهرين .

ولاؤه لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) :

كان الحارث من خواص أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ومن أوليائه ، ومحل عنايته واهتمامه ( عليه السلام ) .

وكان الحارث من كبار التابعين ، ومن أوعية العلم ومن أفقه علماء عصره .

وقد تعلَّم من باب مدينة العلم علماً جماً ، ولا سيما علم الفرائض ، وعلم الحساب .

وكان من القراء الذين قرأوا على علي ( عليه السلام ) وابن مسعود .

وروي أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) دعا كاتبه عبيد الله بن أبي رافع ، وقال له : أدخل عَلَيَّ عشرة من ثقاتي ، فقال ابن أبي رافع للإمام : سمِّهِم لي يا أمير المؤمنين ، فسمَّاهم ( عليه السلام ) ، فكان من بينهم الحارث الهمداني .

وفي كتاب طبقات ابن سعد : أن علياً ( عليه السلام ) خطب الناس ، فقال : مَن يشتري علماً بدرهم ؟

فاشترى الحارث صُحُفاً بدرهم ، ثم جاء بها علياً ( عليه السلام ) فكتب له علماً كثيراً .

وبعد ذلك خطب الإمام علي ( عليه السلام ) بالناس قائلاً : يا أهل الكوفة ، عليكم نصف رجل ( ويقصد بذلك الحارث لأنه كان أعوراً ) .

وروى نصر بن مزاحم : لما أراد علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) الخروج إلى صفين ، أمر الحارث أن ينادي في الناس : أخرجوا إلى معسكركم بالنخيلة ، فنادى الحارث في الناس بذلك .

وروي أنه عندما أغار أزلام معاوية على الأنبار في العراق من جهة الشام ، أمر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الحارث ، فنادى في الناس : أين مَن يشتري نفسه لربه ويبيع دنياه بآخرته ، أصبِحوا غداً بالرحبة إن شاء الله ، ولا يحضر إلا صادق النية في السير معنا ، والجهاد لعدونا .

ومن أخباره مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : جاء في كتاب أمالي الشيخ ما مُلَخَّصُهُ : أنه مجموعة من الشيعة بقيادة الحارث دخلوا على أمير المؤمنين علي
( عليه السلام ) ، فقال ( عليه السلام ) للحارث : إن الحق أحسن الحديث ، والصادع به مجاهد .. ، ألا إني عبد الله وأخو رسوله وصديقه الأول .. ، خذها إليك يا حارث قصيرة من طويلة : أنت مع مَن أحببت ، ولك ما احتسبت ( أو : ما اكتسبت ) ، قالها ثلاثاً ، فقال الحارث وهو قائم يجر رداءه جذلاً : ما أبالي وربي بعد هذا متى لقيت الموت أو لقيني .

وفاته :

توفي الحارث الهمداني ( رضوان الله عليه ) سنة ( 65 هـ ) ، على أكثر الروايات .


 حبيب بن مظاهر الأسدي ( رضوان الله عليه )

اسمه وكنيته :

هو حبيب بن مُظهر ( أو مظاهر ) بن رئاب الأسدي الكِنْدي ، ثمَّ الفقعسي ، ويُكنَّى بـ( أبي القاسم ) ، و يقال له : سيِّد القُرَّاء .

وكان ذو جَمال وكمال ، وفي وقعة كربلاء كان عمره 75 سنة ، وكان يحفظ القرآن الكريم كلّه ، وكان يختمه في كلِّ ليلةٍ من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر .

صحبته :

رَوى صاحب كتاب ( مجالس المؤمنين ) :

إنَّه تشرَّف بخدمة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، وسمع منه أحاديث ، وكان معزَّزاً مكرَّماً بملازمة الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) .

وقال صاحب ( مجالس المؤمنين ) : حبيب بن مظاهر الأسدي محسوب من أكابر التابعين .

فنزل حبيب ( رضوان الله عليه ) الكوفة ، وصحبَ علياً ( عليه السلام ) في جميع حروبه ، فكان من خاصَّته ، ومن أصفياءِ أصحابه وحَمَلة علومه .

وجاء في المعين على معجم رجال الحديث : وزاد البرقي : ومن شرطة خَمِيسِه .

فإنَّ أقل درجاته أنه من شرطة الخميس ، وهي وحدها تكفي لإثبات جلالته ووثاقته .

فثبت أنه ( رضوان الله عليه ) من أصحاب الأئمّة علي والحسنين ( عليهم السلام ) ، وروى عنهم ، وهو من الرجال السبعين الذين نصروا الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، ولقوا آلاف الرجال بأنوفهم الحميَّة ، واستقبلوا الرماح بصدورهم المفعمة بالإيمان ، وجابهوا السيوف بوجوههم المشرقة .

فكانت تُعرَض عليهم الأموالُ والأمانُ فيأبون و يقولون :

لا عذرَ لنا عند رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، إنْ قُتِل الحسين ومنَّا عين تطرف .

حتى قُتلوا جميعاً بين يديه ، يذبُّون عنه بكربلاء التضحية والفداء ، في اليوم العاشر من المحرَّم الحرام ، من سنة ( 61 هـ ) .

بين حبيب وميثم ورشيد ( رضوان الله عليهم ) :

قال الكشِّي في حبيب بن مظاهر : جبرائيل بن أحمد [ يرفع الحديث إلى فُضيل بن الزبير ] : مرَّ ميثم التمَّار على فرس له ، فاستقبل حَبيب بن مظاهر الأسدي عند مجلس بني أسد ، فتحدَّثا حتَّى اختلفَتْ أعناق فرسيهما .

ثمَّ قال حبيب : لكأنِّي بشيخ أصلع ، ضخم البطن ، يبيع البطِّيخ عند دار الرزق ، قد صُلب في حُبِّ أهل بيت نبيِّه ( عليهم السلام ) ، يُبقر بطنه على الخشبة ، فقال ميثم : و إنِّي لأعرف رجلاً أحمر ، له ضفيرتان ، يخرج لنصرة ابن بنت نبيِّه ( صلى الله عليه وآله ) ، فيُقتل ، ويُجال برأسه في الكوفة .

ثمَّ افترقا ، فقال أهلُ المجلس : ما رأينا أحداً أكذبُ من هذين .

فلم يفترق أهل المجلس حتَّى أقبل رشيد الهجري فطلبهما ، فسأل أهل المجلس عنهما ، فقالوا : افترقا وسمعناهما يقولان كذا وكذا .

فقال رشيد الهجري : رحم الله ميثماً ، ونسي ( ويُزاد في عطاء الذي يجيء بالرأس مِائة درهم ) ، ثمَّ أدبر .

فقال القوم : هذا والله أكذبهم .

فقال القوم : والله ما ذهبت الأيَّام والليالي ، حتى رأينا مَيثماً مصلوباً على دار عمرو بن حُريث ، وجيء برأس حبيب بن مظاهر قد قُتل مع الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، ورأينا كُلَّ ما قالوا .

من مواقفه المشرِّفة :

قال أهل السير : جعلَ حبيب ومسلم ابن عوسجة يأخذان البيعة للإمام الحسين ( عليه السلام ) في الكوفة ، حتَّى إذا دخلها عُبيد الله بن زياد وخذَّل أهلها عن مسلم بن عقيل ، وتفرَّق أنصاره ، حبسهما عشائرهما وأخفياهما .

فلمَّا ورد الإمام الحسين ( عليه السلام ) كربلاء خرجا إليه مختفيين يسيران الليل ويكمنان النهار حتَّى وصلا إليه .

وروى الطبري : ثمَّ دعا عمر بن سعد قرَّة بن قيس الحنظلي ، فقال له : وَيْحك يا قرَّة ، القِ حسيناً فسله ما جاء به ، وماذا يريد ؟

فأتاه قرَّة بن قبس ، فلمَّا رآه الإمام الحسين ( عليه السلام ) مقبلاً ، قال :

( أتَعْرِفُونَ هَذَا ؟ ) .

 فقال حبيب بن مظاهر : نعم ، هذا رجل من بني حنظلة ، تميمي ، وهو ابن أختنا ، ولقد كنت أعرفه بحسن الرأي ، وما كنت أراه يشهد هذا المشهد .

فجاء حتى سَلَّم على الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وأبلغه رسالة عمر بن سعد إليه ، فقال الإمام الحسين ( عليه السلام ) :

( كَتَبَ إليَّ أهلُ مِصْرِكُم هذا أن أقدِمَ ، فأمَّا إذا كَرِهُوني فَأنَا أنْصَرِفُ عَنْهُم ) .

ثمَّ قال حبيب بن مظاهر : وَيْحَكَ يا قرَّة بن قيس ، إنَّما ترجع إلى القوم الظالمين ، أُنصُر هذا الرجل الذي بآبائه أيَّدك الله بالكرامة وإيَّانا معك .

فقال له قرَّة : أرجع إلى صاحبي بجواب رسالته وأرى رأيي .

شهادته في وقعة الطفِّ الرهيبة :

خرج حبيب بن مظاهر الأسدي ( رضوان الله عليه ) يوم الطفِّ وهو يضحك ، فقال له برير بن حصين الهمداني – وكان يقال له : سيِّد القُرَّاء – : يا أخي ، ليس هذا ساعة ضحك .

فقال له حبيب : وأيُّ موضِعٍ أحقُّ من هذا بالسرور ؟! والله ما هذا إلاَّ أن تميل علينا هذه الطغاة بسيوفهم فنعانِقُ الحور العين .

ولمَّا أصبح الإمام الحسين ( عليه السلام ) يوم العاشر من المحرَّم الحرام ، سنة ( 61 هـ ) ، عبَّأ أصحابه بعد صلاة الغداة ، وكان معه اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً ، فجعلَ زُهَير بن القين في ميمنة أصحابه ، وحبيب بن مظاهر في ميسرة أصحابه ، وأعطَى رايتَه العبَّاسَ أخَاهُ ( عليه السلام ) .

ولمَّا رمَى عمر بن سعد بسهمٍ نحو الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، ارتَمَى الناس وبدأ القتال ، وحينما صُرع مسلم بن عوسجة الأسدي ، مشى إليه الإمام الحسين ( عليه السلام ) وحبيب بن مظاهر الأسدي ، فَدَنا منه حبيب فقال : عزَّ عليَّ مصرعك يا مسلم ، أبشِرْ بالجنَّة .

فقال له مسلم قولاً ضعيفاً : بشَّرَكَ الله بخير .

فقال له حبيب : لولا أنِّي أعلم أنِّي في أثرك ، لاحِقٌ بك من ساعتي هذه ، لأحببتُ أن توصيَني بكلِّ همِّك حتَّى أحفظك في كلِّ ذلك .

فقال له مسلم : بل أنا أوصِيكَ بِهَذا رحمَكَ الله – وأهوى بيده إلى الإمام الحسين ( عليه السلام ) – أن تموتَ دونه .

فقال له حبيب : أفعلُ ورَبُّ الكعبة .

وقاتل حَبيب قتالاً شديداً ، فحمل عليه بديل بن صريم العقفاني ، من بني عقفان من خزاعه ، فضربه حبيب بالسيف فقتله .

وحمل عليه آبر من بني تميم فطعنه ، فوقع حبيب ( رضوان الله عليه ) ، فذهب ليقوم فضربه الحصين بن تميم على رأسه بالسيف ، فوقع ونزل إليه التميمي آبر فاحتزَّ رأسه .

روى أبو مخنف : حدَّثني محمد بن قيس قال : لمَّا قُتل حبيب بن مظاهر هَدَّ ذلك حسيناً ، وقال : ( عِنْدَ الله أحْتَسِبُ نَفْسي وحُمَاة أصْحَابِي ) .

وفي بعض المقاتل :

( للهِ دَرُّكَ يَا حَبِيْب ، لَقَدْ كُنْتَ فَاضِلاً ، تَخْتُم القرآنَ في لَيلْةٍ واحِدَة ) .


 حجر بن عدي الكندي ( رضوان الله عليه )

اسمه وكنيته :

حجر بن عدي بن معاوية بن جبلة بن عدي الكندي ، المعروف بحجر الخير ، ويُكنَّى بـ( أبي عبد الرحمن ) .

وقد أسلمَ وهو صغير السِن ، ووفد مع أخيه هَانِي بن عدي على النبي ( صلى الله عليه وآله ) وهو في المدينة في آخر حياته ( صلى الله عليه وآله ) .

مواقفه وبطولاته :

كان من أحدِ قادَة الجيش الذي فتح عذراء ، وهي التي قتل فيها فيما بعد ، وكان أحد النفر الذين شاركوا في دفن أبي ذر الغفاري ( رضوان الله عليه ) في الربذة ، وهم الذين شَهِد لهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) بأنَّهم عصابة من المؤمنين .

كما كان من الذين كتبوا إلى عثمان ينقمون عليه عِدَّة أمور ، وينصحونه وينهونه عنها ، كما صحب أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) ، وكان من أبرز شيعته .

ولقد كان له الدور المهم والبارز في استنهاض الناس عند قدوم الإمام الحسن ( عليه السلام ) إلى الكوفة ، لدعوة أهلها لِنُصْرة الإمام علي ( عليه السلام ) في حرب الجمل .

وعيَّنَه الإمام علي ( عليه السلام ) على كنده ومهرة وحضر موت في صفِّين ، وكان قائد ميسرة جيش الإمام علي ( عليه السلام ) في النهروان .

كما أرسله الإمام علي ( عليه السلام ) في عدد من أصحابه إلى واقعة لِصَدِّ غارات الضحَّاك بن قيس بأمر من معاوية ، فقتل حجر منهم تسعة عشر نفراً ، وولَّى الضحَّاك هارباً .

ووقف مع الإمام الحسن ( عليه السلام ) موقف الولاء الخالص فكان له الدور الفعال في تهيئة القبائل للمسير لمواجهة معاوية تحت قيادة الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، حيث كان معاوية قد جاء بجيوشه قاصداً العراق .

وكان كذلك من أشدِّ المنكرين على ولاة معاوية في الكوفة لأعمالهم الشنيعة ، فحاولوا إسكَاته بالتهديد والوعيد مَرَّة ، وبالأموال والمناصب أخرى ، لكنهم لم يُفلحوا في ذلك .

ما قيل فيه :

قال ابن الأثير فيه : كان مِن فُضلاء الصحابة .

وقال الحاكم : هو راهب أصحاب محمد ( صلى الله عليه وآله ) .

وقال السيد محسن الأمين : وهو من خيار الصحابة ، ورئيسٌ قائد ، شُجَاع أبيُّ النفس ، عابد زاهد ، خالِص الولاء لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، بلغ في ذلك الغاية .

قصة مقتله :

ضاقَ والي الكوفة زياد بن أبيه به ذرعاً ، فكتبَ إلى معاوية بذلك ، فأشار معاوية عليه أن يشدَّه بالحديد ، ويحمله إليه .

واختفى عن الأنظار على إثر ذلك ، ولكن سلَّم نفسه أخيراً بعد أن أحدق الخطر بِعشيرَتِه ، فقامت السلطة باعتقال اثني عشر شخصاً معه ، وإرسالهم إلى الشام .

فتردَّدَ معاوية في قتلِ حجر وأصحابه ، خشية تذمُّر المسلمين ونقمتهم عليه ، فأرسل إلى زياد يخبره بتردُّدِه ، فأجابه زياد : إن كانَتْ لك حاجة بهذا المِصْر فلا تردَّنَّ حِجراً وأصحابه إليَّ .

فوجَّه معاوية إلى حجر وأصحابه وهم في مرج عذراء رسولاً فقال له حجر : أبلغ معاوية إننا على بيعتنا ، وأنه إنما شهد علينا الأعداء والأظناء .

فلما أخبر معاوية بما قال حجر ، أجاب : زياد أصدق عندنا من حجر .

فرجع رسول معاوية إليهم مرة أخرى وهو يحمل إليهم أمر معاوية بقتلهم ، أو البراءة من علي ( عليه السلام ) ، فقال حجر : إن العبرة على حَدِّ السيف لأيسر علينا مما تدعونا إليه ، ثم القدوم على الله وعلى نبيه وعلى وصيِّه أحبُّ إلينا من دخول النار .

وعندما أراد السياف قتله قال له : مدَّ عنقك لأقتلك .

فقال : إنِّي لا أُعينُ الظالِمينَ على ظُلمِهم ، فضربه ضربة سَقَطَ على أثرها شهيداً ، في سنة ( 51 هـ ) ، ودُفِن في مرج عذراء ، وقبره معروف هناك


 حذيفة بن اليمان ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

حذيفة بن اليمان بن جابر العبسي .

ولادته :

لم نعثر على تاريخ ولادته .

جوانب من حياته :

كان حذيفة من وجهاء الصحابة وأعيانهم ، وكان من نجباء وكبار أصحاب رسول ‏الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وصاحب سر النبي ، وأعلم الناس بالمنافقين .

لم يشهد بدراً ، وشهد أُحداً وما بعدها من المشاهد ، وكان أحد الذين ثبتوا على العقيدة بعد وفاة رسول ‏الله ( صلى الله عليه وآله ) .

ووقف إلى جانب الإمام علي ( عليه السلام ) بخطىً ثابتة ، وكان ممَّن شهد جنازة السيدة فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) ، وصلَّى على جثمانها الطاهر .

وليَ المدائن في عهد عمر وعثمان ، وكان مريضاً في ابتداء خلافة أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) ، مع هذا كله لم يُطِق السكوت عن مناقبه وفضائله ، فصعد المنبر بجسمه العليل ، وأثنى عليه ، وذكره بقوله : فو الله إنه لعلى الحق آخراً وأوّلاً ، وقوله : إنه لخير من مضى بعد نبيِّكم .

وأخذ له البيعة ، وهو نفسه بايعه أيضاً ، وأوصى أولاده مؤكِّداً ألا يقصِّروا في اتِّباعه .

وفاته :

توفي في المدائن بالعراق سنة ( 36 هـ ) ، ودُفن فيها .


 الحر بن يزيد الرياحي ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

الحرّ بن يزيد بن ناجية بن سعد من بني رباح بن يربوع من بني تميم  .

ولادته :

ولد قبل البعثة النبوية .

قصة التحاقه بالإمام الحسين ( عليه السلام ) :

كان الحر من وجوه العرب ، وشجعان المسلمين ، وكان قائداً من أشراف تميم ، أرسله والي الكوفة عبيد الله بن زياد مع ألف فارس ، لِصَدِّ الإمام الحسين ( عليه السلام ) عن الدخول إلى الكوفة .

فسار بجيشه لتنفيذ هذا المهمة ، فالتقى بركب الإمام الحسين ( عليه السلام ) في منطقة ذي حسم ، ولما حانَ وقت صلاة الظهر صلَّى وأصحابه خلف الإمام الحسين ( عليه السلام ) .

ثم عرض عليه الإمام الحسين ( عليه السلام ) كتب أهل الكوفة التي يطلبون فيها منه المجيء إليهم .

فقال الحر : فأنا لستُ من هؤلاء الذين كتبوا إليك ، وقد أمرنا إذا نحن لقيناك ألا نفارقك حتى نقدِّمك على عبيد الله بن زياد .

لازم ركب الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وأخذ يسايره حتى أنزله كربلاء ، ولكن ما إن حلَّ اليوم العاشر من المحرم ، ورأى إصرار القوم على قتال الإمام الحسين ( عليه السلام ) حتى بدأ يفكِّر في أمره ، وأقبل يدنو نحو الحسين ( عليه السلام ) قليلاً قليلاً ، وقد أخذته رعدة ، فسأله بعض أصحابه عن حاله .

فقال : إني والله أخيِّر نفسي بين الجنة والنار ، ولا أختار على الجنة شيئاً ، ولو قُطِّعتُ وحُرقت ، ثُمَّ ضرب فرسه ، والتحق بالإمام الحسين ( عليه السلام ) .

وقف بين يديه معلِناً توبته ، فقال له الإمام ( عليه السلام ) :

( نَعَمْ ، يتوب الله عليك ، ويغفر لك ) .

فتقدَّم الحر أمام أصحاب الحسين ( عليه السلام ) ، و خاطب عسكر الأعداء قائلاً : أيها القوم ، ألا تقبلون من الحسين خصلة من هذه الخصال التي عرضها عليكم ، فيعافيكم الله من حربه و قتاله ؟

أدعوتم هذا العبد الصالح حتى إذا جاءكم أسلمتموه ، وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه ، ثم عدوتم عليه لتقتلوه .

أمسكتم بنفسه ، وأخذتم بكظمه ، وأحطتم به من كل جانب لتمنعوه التوجه في بلاد الله ، فصار كالأسير في أيديكم ، و حلأتموه ونساءه ، وصبيته وأصحابه ، عن ماء الفرات ، لا سقاكُم الله يوم الظمأ إن لم تتوبوا عمَّا أنتم عليه .

فحملت عليه الرجال ترميه بالنبل ، فرجع حتى وقف أمام الحسين ( عليه السلام ) .

شهادته :

استأذن الحرُّ الحسينَ ( عليه السلام ) للقتال ، فأذن له ، فحمل على أصحاب عمر بن سعد ، وجعل يرتجز ويقول :

إنِّي أنَا الحر ومأوى الضيف                     أضرِبُ في أعراضِكُم بالسيفِ

عن خَيرِ مَن حَلَّ بِلاد الخيف                      أضرِبُكُم و لا أرَى مِن حَيفِ

وجعل يضربهم بسيفه حتى قتل نيفاً وأربعين رجلاً ، ثمَّ حملت الرجالة على الحر ، وتكاثروا عليه ، فاشترك في قتله أيوب بن مسرح ، ورجل آخر من فرسان الكوفة .

فاحتمله أصحاب الحسين ( عليه السلام ) حتى وضعوه بين يديه ، وبه رمق ، فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول :

( أنتَ الحُرُّ كمَا سَمَّتكَ أُمُّك ، حُرٌّ في الدنيا ، وسعيد في الآخرة ) .

فكانت شهادته سنة ( 61 هـ ) ، في واقعة كربلاء .

قبره :

 يقع  قبر الحُرّ على بعد فرسخ من مدينة كربلاء المقدسة ، وشُيِّدت عليه قُبَّة لا تزال محطَّ أنظار المؤمنين ، ولا نعلم سبب دفنه  في هذا المكان ، ويدور على الألسن أن قومه أو غيرهم نقلوه من موضع المعركة فدفنوه هناك .


 الحسن بن راشد ( رضوان الله عليه )

إسمه ونسبه :

الحسن بن راشد بن علي البغدادي مولى آل المهلب ، يُكنّى أبو علي .

مكانته :

عدَّ الشيخ الطوسي ( قدس سره ) الحسن بن راشد من أصحاب الإمام الجواد ( عليه السلام ) ، وعدَّه المفيد ( قدس سره ) في رسالته العددية من الفقهاء ، الأعلام ، والرؤساء ، المأخوذ عنهم الحلال والحرام ، الذين لا يطعن عليهم بشيء ، ولا طريق لذمِّ واحد منهم .

كان وكيلاً للإمام الهادي ( عليه السلام ) على بغداد ، وما والاها من القرى والمدائن ، وقد كتب الإمام ( عليه السلام ) إلى أهالي تلك المدن :

( قد أقمت أبا علي بن راشد مقام علي بن الحسين بن عبد ربه ، ومن قبله من وكلائي ، وقد أوجبتُ في طاعته طاعتي ، وفي عصيانه الخروج إلى عصياني ) .

ودلت هذه الرسالة على سموِّ مكانته ، وعظيم منزلته عند الإمام الهادي ( عليه السلام ) ، فقد قرن طاعته بطاعته ، وعصيانه بعصيانه ، ومن الطبيعي أنَّه لم ينَلْ هذه المنزلة إلا بطاعته لله ، وتحرّجه في الدين .

وقد أبَّنه الإمام العسكري بعد وفاته بقوله ( عليه السلام ) :

( إنه عاش سعيداً ، ومات شهيداً ) .

وما نال هذه المنزلة عند الإمام ( عليه السلام ) إلا بتقوى الله وطاعته ، وزهده في الدنيا .


 حسين بن سعيد الأهوازي ( رضوان الله عليه )

ولادته ونشأته :

ولد الشيخ حسين بن سعيد بن حماد بن مهران الأهوازي في الكوفة ، ولم نعثر على تاريخ محدد لولادته ، إلا أنه كان من علماء القرن الثالث الهجري ، وانتقل إلى الأهواز ، فاشتهر بالأهوازي .

مكانته العلمية :

أخذ الحسين بن سعيد الأهوازي علومه ومعارفه عن الإمام الرضا ، والإمام الجواد ، والإمام الهادي ( عليهم السلام ) ، وروى عنهم .

هاجر من الكوفة إلى الأهواز مع أخيه الحسن بن سعيد ، وبقيا فيها مدة من الزمن لنشر تعاليم أهل البيت ( عليهم السلام ) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً .

كان واسع العلم ، كثير الرواية ، متبحِّراً في فقه أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وفي الآثار والمناقب ، وكتبه في هذين المجالين من الكتب المعوَّل عليها .

روى عنه كثير من المحدِّثين والرواة ، ونذكر منهم :

1 – ابن أورمة .

2 – إبراهيم بن هاشم .

3 – أحمد بن محمد البرقي .

4 – علي بن مهزيار ، وغيرهم .

ومدحه وأطراه جميع الأصحاب الذين كتبوا عنه ، وأثنوا عليه ، ووصفوه بأوصاف ، منها أنه : ثقة ، عين ، جليل القدر ، وغيرها .

يقول ابن النديم : حسين بن سعيد الأهوازي هو أعلم وأفضل أهل زمانه ، وكان متضلعاً في الفقه والروايات ومناقب أهل البيت ( عليهم السلام ) ولاؤه للأئمة ( عليهم السلام ) :

قد عرف عن الحسين بن سعيد وعائلته الإيمان العميق بالله تبارك وتعالى ، والدفاع عن الحق خلال الفترة التي عاصروا فيها حُكَّام بني العباس ، الذين كانوا يطاردون المؤمنين من شعية أهل البيت ( عليهم السلام ) .

ودافع الحسين بن سعيد عن آل البيت ( عليهم السلام ) وعلومهم ومآثرهم بشتَّى الطرق ، وبروح سامية ، ونية خالصة لوجهه الكريم ، واضعاً نَصب عينيه قولهم ( عليهم السلام ) : ( رَحِمَ اللهُ عَبداً أحْيا أمْرَنَا ) .

وبالفعل ، فقد أبلغ الرسالة ، وتمَّ على يديه اهتداء واستبصار بعض الشخصيات ، وانتهاجهم مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

ونذكر من هؤلاء :

1 – إسحاق بن إبراهيم الحضيني .

2 – علي بن الرسان .

3 – علي بن مهزيار .

4 – عبد الله بن محمد الحضيني ، وغيرهم .

كل ذلك بفضل الله أن جعله سبباً في هدايتهم ، فجزاه الله عن الأئمة ( عليهم السلام ) خير الجزاء وأفضله .

مؤلفاته :

له أكثر من ثلاثين كتاباً ، ونذكر منها :

1 – كتاب الفرائض .

2 – كتاب الديَّات .

3 – البشارات .

4 – الزهد .

5 – المكاسب .

6 – المناقب .

7 – التفسير .

8 – المؤمن .

9 – الملاحم .

10 – المزار .

11 – الرد على الغالية ( الغُلاة ) .

وفاته :

انتقل المحدِّث العظيم الحسين بن سعيد ( رحمه الله ) من الأهواز إلى قم ، فنزل عند الحسن بن أبان .

وتوفي ( رحمه الله ) فيها – في قم – ، ولم نعثر على تاريخ محدَّد لوفاته ، إلا أنه كان حياً سنة 254هـ .


 حَمران بن أعين ( رضوان الله عليه )

كان حمران بن أعين من أصحاب الإمامين الباقر والصادق ( عليهما السلام ) ، وكان من أعيان العلماء وأجلاء الرواة ، وكان من العارفين بالحق ، والصادعين بأمر الله تعالى .

مكانته العلمية :

كان حمران من كبار العلماء الذين حملوا رسالة الإسلام ، ووقفوا على دقائقها ، وقد أخذ علومه من أهل البيت ( عليهم السلام ) الذين هم معدن العلم والحكمة ، وخزائن الوحي .

وتتلمذ عند الإمام الباقر ( عليه السلام ) ، ومن بعده لازم الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) ، وأخذ الكثير من علومه .

وكان الإمام الصادق ( عليه السلام ) يُدلِل على وُفُورِ علمه وفضله .

وروي أن رجلاً من أهل الشام وفد على الإمام الصادق ( عليه السلام ) ليمتحنه ، فقال له الإمام ( عليه السلام ) : ( ما حاجتك ؟ ) ، فقال الشامي : بلغني أنك عالم بكل ما تُسأل عنه ، فصرت إليك لأناظرك ، فتبسم الإمام (عليه السلام) وقال له : ( بماذا ؟ ) ، فقال الشامي : في القرآن ، وقطعه ، وإسكانه ، وخفضه ، ونصبه ، ورفعه ، فالتفت الإمام ( عليه السلام ) إلى حمران وقال له : ( دونك الرجل ) ، فثار الشامي وقال : إنما أريدك أنت لا حمران ، فقابله الإمام ( عليه السلام ) ببسمات فياضة بالبشر قائلاً : ( إن غلبت حمران فقد غلبتني ) ، فجاء الشامي إلى حمران ( رضوان الله عليه ) ، فجعل يسأله عن مسائل كثيرة ، وحمران يجيبه ، فلما فرغ من السؤال التفت الإمام ( عليه السلام ) إلى الشامي وقال له : ( كيف رأيته ؟ ) ، فقال الشامي : رأيته حاذقاً ، ما سألته عن شيء إلا أجابني .

وهذا ما يكشف عن سعة علومه ومعارفه .

يقول أبو غالب الرازي : كان حمران من أكبر مشايخ الشيعة المفضلين الذين لا يشك فيهم ، وكان أحد حملة القرآن القراء .

فقد كان حمران في طليعة علماء عصره ، وقد ساهم في نشر الوعي الثقافي والعلمي في ذلك العصر .

منزلته عند الأئمة ( عليهم السلام ) :

لقد كانت لحمران منزلة كريمة عند الأئمة ( سلام الله عليهم ) ، وقد أُثِرَت عنهم كثير من الإشادة به ، وفيما يلي بعضها :

1 – قال فيه الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( حمران مؤمن من أهل الجنة ، لا يرتاب أبداً لا والله ) .

2 – روي أن حمران طلب من الإمام الباقر ( عليه السلام ) أن يخبره من هو ، فقال له الإمام ( عليه السلام ) : ( أنت لنا شيعة في الدنيا والآخرة) .

وروى الكشي في رجاله طائفة من الأخبار تدلل على سمو مكانته وعظيم منزلته عند أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) لا يسعنا المجال لذكرها .

وكان حمران يكنُّ في أعماقه أعظم الولاء والحب للأئمة الطاهرين ( عليهم السلام ) ، ويقول الرواة : إنه كان إذا جلس مع أصحابه فلا يخوض حديثاً لا يتناول فضائل أهل البيت ( عليهم السلام ) فإن خلطوا ذلك بغيره ردهم إليه ، فإن أبوا تركهم وانصرف عنهم .

وكان حقاً هذا منتهى الولاء والحب .

وفاته :

توفي حمران بن أعين ( رضوان الله عليه ) حوالي سنة ( 130 هـ ) .


 خزيمة بن ثابت الأنصاري ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

خزيمة بن ثابت بن الفاكِه .. بن مالك بن الأوس الأنصاري ، كنيته ( ذو الشهادتَين ) ، لحادثة وقَعَت زمن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فكنَّاه النبي بها ، فأصبحت وساماً له ، وصار يُقال له : خزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين .

ولادته :

لم نعثر على تاريخ محدّد لولادته ، لكن القرائن المستفادة من الوقائع والسير تشير إلى أنّه قد وُلد في حدود سنة ( 20 ) قبل الهجرة النبوية المباركة فما قبلها .

سيرته ومواقفه :

حين ظهر نور الإسلام ، كان خزيمة الأنصاري من أوائل المبادرين إليه ، ثمّ شهد أوّلَ ما شهد أُحُداً ، وما بعدها من المشاهد .

كان هو وعُمَير بن عَدي يكسِّران أصنام بني خَطمة ، ثمّ حمل راية بني خطمة يوم فتح مكّة ، ودخل مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .

شهد معركة مُؤتة وشارك فيها مشاركة مشهودة .

وكان أيضاً من الصحابة الأبرار الأتقياء الذين مضَوا على منهاج نبيّهم ( صلى الله عليه وآله ) ، فلم يغيِّروا ولم يبدِّلوا .

وكان من السابقين الذين عادوا إلى الإمام علي ( عليه السلام ) ، وقد وقف إلى جانبه ودعا إلى بيعته وأنكر على مخالفيه ، وقال لأحدهم : ألستَ تعلم أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قبِل شهادتي وحدي ؟ فقال : بلى .

قال خزيمة : فإنّي أشهد بما سمعته منه ، وهو قوله ( صلى الله عليه وآله ) : ( إمامُكم بعدي علي ، لأنّه الأنصح لأُمّتي ، والعالم فيهم ) .

وشهد خزيمة – مع جماعة – لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) حين استُشهد ، بحديث الغدير .

وقبل ذلك كان من أوائل المبايعين والمؤيِّدين له في مسيره لقتال الناكثين ، وكذلك كان عند المسير لحرب القاسطين .

شعره :

لمواقفه المبدئية الولائية كان خزيمة مُعتَّماً على حياته ، في أخباره وأدواره ، فلم يُنقَل من شعره إلاّ النزر اليسير ، مع أنّه كان يجيد الشعر ويقوله منذ زمن مبكر على عهد النبي الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) .

كما في أبياته التي مدح فيها الإمام علياً ( عليه السلام ) فتهلَّلَ وجه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .

وأبياته التي ذكر فيها قصّة التصدُّق بالخاتم في حال الركوع ، حيث قال :

أبا حسـنٍ تفديك نفسي واُسرتي  **  وكلُّ بطيءٍ في الهُدى ومُسارعِ

فأنتَ الذي أعطيتَ إذ كنتَ راكعاً  **  زكاةً فَدتْكَ النفسُ يا خيرَ راكعِ

فأنـزلَ فيـك اللهُ خيـرَ ولايـةٍ  **  وبَيّنها في مُحكَماتِ الشـرائعِ

امتاز شعر خزيمة بالسلاسة والجمالية والوضوح ، مخلِّفاً تراثاً خالداً ، وسجلاًّ حافلاً بالوقائع التاريخية ، تنقل لنا صوراً حقيقية من حياة الإسلام والمسلمين ، ومشاهدَ رائعة من المناقب والفضائل ، فيكون بذلك وثيقةً أدبية لتلك الفترة ، وشاهداً تاريخياً يعضد الشواهد الصادقة الأخرى .

شهادته:

روى الخطيب البغدادي : أنّ عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : كنت بصفّين ، فرأيت رجلاً راكباً متلثَّماً يقاتل الناس قتالاً شديداً ، يميناً وشمالاً ، فقلت : يا شيخ ، أتقاتل الناسَ يميناً وشمالاً ؟!

فحسَرَ ( رضوان الله عليه ) عن عمامته ثمّ قال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : ( قاتِلْ مع عليٍّ جميع مَن يقاتله ) ، وأنا خزيمة بن ثابت الأنصاري .

فخاض خزيمة ( رضوان الله عليه ) غمارَ المعركة ، ونال ما تمنَّاه من الشهادة المشرِّفة في اليوم التاسع من صفر 37 هـ .

وحسب خزيمة ( رضوان الله عليه ) من الإكرام والتجليل ما أبَّنَهُ به الإمام علي ( عليه السلام ) وتلهَّف عليه ، وتشوَّق إليه ، وأثنى عليه ، حيث قال : ( أين إخواني الذين ركبوا الطريق ، ومضَوا على الحقِّ ؟! أين عمَّار ، وأين ابن التيِّهان ، وأين ذو الشهادتَين ـ أي خُزَيمة بن ثابت ـ وأين نُظَراؤهم مِن إخوانهمُ الذين تعاقَدوا على المنيَّة ؟! ) .


 رُشيد الهَجَري ( رضوان الله عليه )

جوانب من حياته :

كان من أصحاب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الواعين الراسخين‏ ، وعُدَّ من أصحاب الإمام الحسن‏ والإمام الحسين ( عليهما السلام ) أيضاً .

كان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يعظِّمه ويُسمِّيه : ( رشيد البَلايا ) .

واخترقت نظرته الثاقبة النافذة ما وراء عالم الشهادة ، فعُرف بـ( عالِم البلايا والمنايا ) .

ترجم عظمة الصبر ، ودلَّ على صلابته في محبَّته لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) .

وفي الأمالي للطوسي : عن بنت رُشيد الهَجَري عن رُشيد الهجَرَي قال لي حبيبي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( يا رُشيد ، كيف صَبرك إذا أرسل إليك دعيُّ بني أميَّة ، فقطع يديك ورجليك ولسانك ؟ ) .

فقلت : يا أمير المؤمنين ، أيكون آخر ذلك إلى الجنَّة ؟

قال ( عليه السلام ) : ( نعم يا رُشيد ، وأنت معي في الدنيا والآخرة ) .

شهادته :

قالت ابنة رشيد : فوَ الله ما ذهبت الأيام حتى أرسل إليه الدعي بن زياد ، فدعاه إلى البراءة من أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فأبى أن يتبرّأ منه .

فقال له ابن زياد : فبأي مِيتة قال لك صاحبك تموت ؟

قال ( رضوان الله عليه ) : أخبرني خليلي ( عليه السلام ) أنَّك تدعوني إلى البراءة منه فلا أتبرّأ ، فتقدِّمني ، فتقطِّع يدي ورجلي ولساني .

فقال : والله لأكذِّبنَّ صاحبك ، قدِّموه فاقطعوا يده ورجله واتركوا لسانه ، فقطعوه ثمَّ حملوه إلى منزلنا .

فقلت له : يا أبه جُعلت فداك ، هل‏ تجد لما أصابك ألماً ؟

قال ( رضوان الله عليه ) : والله لا يا بُنيَّة ، إلاَّ كالزحام بين الناس .

ثم دخل عليه جيرانه ومعارفه يتوجعون له ، فقال ( رضوان الله عليه ) : إيتوني بصحيفة ودواة أذكر لكم ما يكون ممَّا أعلمنيه مولاي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .

فأتوه بصحيفة ودواة ، فجعل يذكر ويُملي عليهم أخبار الملاحم والكائنات ، ويسندها إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .

فبلغ ذلك ابن زياد فأرسل إليه الحجَّام حتى قطع لسانه ، فمات من ليلته تلك ( رضوان الله عليه ) .

وكانت شهادته في الكوفة في إمارة زياد بن أبيه أيام خلافة معاوية ، بعد سنة ( 45 هـ ) ، ودُفن ( رضوان الله عليه ) في باب النخيلة في الكوفة.


 زرارة بن أعين ( رضوان الله عليه )

ولادته ونشأته :

ولد زرارة بن أعين الشيباني حوالي سنة ( 80 هـ ) ، ونشأ في ظل عائلته ( آل أعين ) ، وهي من الأسر المعروفة بالتشيع ، إذ رافقت هذه الأسرة المباركة الأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) منذ زمن الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) إلى زمن الغيبة الكبرى للإمام المهدي ( عجل الله تعالى فرجه ) .

مكانته العلمية :

كان زرارة فذاً من أفذاذ الإسلام ، وعلماً من أعلام الدين ، ومن كبار الفقهاء والعلماء فضلاً وتقوى .

وقد أجمع المؤرخون على أنه كان يملك طاقات هائلة من الفقه لا يملكها أحد من فقهاء عصره .

وكان زرارة أحد المؤسسين لفقه أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فرواياته تحتل الصدارة عند الفقهاء ، ويرجعون إليها في استنباطاتهم للحكم الشرعي .

ولم تقتصر رواياته على باب واحد من الفقه ، وإنما شملت جميع بحوثه في العبادات والمعاملات وغيرهما .

وقد جمعت رواياته عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) ، فهو من أبرز تلاميذه ، فكانت ألفاً ومائتين وستة وثلاثين رواية .

أما ما رواه عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) فقد كان أربعمائة وتسعة وأربعين رواية .

وقد روى عن زرارة جمهرة كبيرة من الرواة والفقهاء ، وكان منهم : أبو أيوب ، وأبو بصير ، وأبو جميلة ، وغيرهم .

وفاته :

توفي زرارة بن أعين ( رضوان الله عليه ) سنة ( 150 هـ ) بعد شهادة الإمام الصادق ( عليه السلام ) .


 زيد بن حارثة ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

هو زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العُزَّى بن امرئ القيس ، وينتهي نسبه إلى قضاعة ، ويكنى بـ ( أبي أسامة ) .

نشأته :

أصاب زيد سباء في الجاهلية وهو بن ثمان سنين ، فاشتراه حكيم بن حزام لخديجة بنت خويلد ، فوهبته لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فتبناه بمكة قبل النبوة .

ونشأ في أحضان النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأحبه حتى أنه زوَّجه بنت عمه زينب بنت جحش .

إسلامه :

أسلم زيد بن حارثة بعد إسلام خديجة ( رضوان الله عليها ) وعلي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، وقد آخى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بينه وبين عمه الحمزة ( رضوان الله عليه ) .

قصة التَبَنِّي :

لا بد لنا أن نتحدث عن تبني الرسول ( صلى الله عليه وآله ) لزيد – ولو بشيء من الاختصار – باعتباره يشكل جانباً مهماًمن جوانب حياة زيد بن حارثة .

فقد روي أن أباه وعمه جاءا إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) بعد أن تبناه ، وطالبوا به ، فقال له النبي ( صلى الله عليه وآله ) : اخترني أو اخترهما .

فقال زيد : ما أنا بالذي أختار عليك أحداً ، أنت مني مكان الأب والعم .

فقالا له : ويحك !! أتختار العبودية على الحرية ، وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك ؟

فقال لهما : ما أنا بالذي أختار عليه أحداً .

فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت نفوسهما وانصرفا .

ومنذ ذلك الحين دعي بـ ( زيد بن محمد ) ، حتى جاء الإسلام فنزلت الآية الكريمة : ( أدْعُوْهُمْ لآبَائِهِمْ ) [ الأحزاب : 5 ] .

فدعي يومئذ ( زيد بن حارثة ) ، ونُسب بعد ذلك كل من تبناه رجل من قريش إلى أبيه .

هجرته إلى الطائف :

يذكر لنا التاريخ أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) عندما رحل إلى الطائف مع علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، كان برفقتهما زيد بن حارثة ، وفي الطائف ضيق أهلها على النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ورموه بالحجارة ، وأدموا رجلاه الشريفتان ، وكان زيد يقيه بنفسه حتى شُجَّ في رأسه .

مولاته للنبي ( صلى الله عليه وآله ) وأمير المؤمنين ( عليه السلام ) :

قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) :

أحبوا موالينا مع حبكم لآلنا ، هذا زيد بن حارثة وابنه أسامة بن زيد من خواص موالينا ، فأحبوهما ، فوالذي بعث محمد بالحق نبينا لينفعكم حبهما .

قالوا : وكيف ينفعهما حبهما ؟

قال ( صلى الله عليه وآله ) : إنهما يأتيان يوم القيامة علياً ( عليه السلام ) بخلق كثير من ربيعة ومضر بعدد كل واحد منهم ، فيقولان :

يا أخا رسول الله هؤلاء أحبونا بحب محمد رسول الله وبحبك ، فيكتب علي ( عليه السلام ) : ( جُوزُوا عَلى الصراطِ سَالِمِين ) .

وقد تبين لنا مما ذكر أنفاً مدى حب زيد بن ثابت للنبي ( صلى الله عليه وآله ) وموالاته لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) .

جهاده مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) :

كان زيد قد شهد بدراً وأحداً والخندق والحديبية وخيبر ، وكان من الرماة المعروفين .

كما أرسله رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في سرية إلى مكان يُسمى ( الفَردة ) ، وهي أول سرية خرج فيها زيداً أميراً .

ثم أرسله في سرايا أخرى ، كانت الأولى إلى ( الجَموم ) ، والثانية إلى ( العيص ) ، والثالثة إلى ( الطَّرَف ) ، والرابعة إلى ( حشِمي ) ، والخامسة إلى ( الفضافض ) ، وغيرهن من السرايا .

زواج النبي ( صلى الله عليه وآله ) من زينب بن جحش :

قال الله سبحانه وتعالى : ( فَلَمَّا قَضَى زَيدٌ مِنهَا وَطَراً زَوَّجنَاكَهَا لِكَي لا يَكُونَ عَلَىالمُؤمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزوَاجِ أَدعِيَائِهِم إِذَا قَضَوا مِنهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمرَ اللهِ مَفعُولاً ) [ الأحزاب : 37 ] .

زوَّج النبي ( صلى الله عليه وآله ) زيد من زينب بنت جحش ، فطلقها زيد ، وخلف عليها النبي ( صلى الله عليه وآله ) .

ولتوضيح الحكمة من هذا الزواج يقول السيد مرتضى العاملي :

كان الزواج لضرورة اقتضاها التشريع ، حيث أنه ( صلى الله عليه وآله ) كان قد تبنى زوجها زيد ، وكان العرب يعتقدون أن آثار التبني هو نفس آثار البنوة الحقيقية ، فيحل له ، ويحرم عليه ، ويرث ، ويعامل كالإبن الحقيقي تماماً من دون فرق .

ولم يكن مجال لقلع هذا المفهوم الخاطئ إلا بالإقدام على عمل أساسي لا مجال للريب ولا للتأويل فيه .

فكان زواج النبي ( صلى الله عليه وآله ) من زوجة ابنه بالتبني هو الوسيلة الفضلى لقلع هذا المفهوم الخاطئ من أذهانهم .

وقد أشار القرآن الكريم إلى علة التزويج في الآية الشريفة التي افتتحنا بها الكلام حول زواجه ( صلى الله عليه وآله ) .

شهادته :

استشهد زيد بن حارثة ( رضوان الله عليه ) في وقعة مؤتة ، سنة ( 8 ) للهجرة ، وكان عمره خمس وخمسين سنة .

ولما بلغ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) خبر مقتل زيد بن حارثة ، مع جعفر بن أبي طالب ، وعبد الله بن رواحة ، قام وذكر شأنهم فبدأ بزيد ( رضوان الله عليه ) فقال : اللهم اغفر لزيد ، اللهم اغفر لزيد ، اللهم اغفر لزيد .


 زيد بن صوحان ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

زيد بن صوحان بن حُجْر العبدي ، أخو صعصعة وسيحان .

إسلامه :

أسلم في عهد النبي ( صلى الله عليه وآله ) .

جوانب من حياته :

كان خطيباً مصقعاً ، وشجاعاً ثابت الخُطى ، وكان من‏ العظماء ، والزُهَّاد ، والأبدال – الصلحاء والعارفون – .

وكان من أصحاب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الأوفياء ، وكان لساناً ناطقاً معبِّراً في الدفاع عنه ، وكان له باع في دَعمِه وحمايته .

وكان رسول‏ الله ( صلى الله عليه وآله ) يذكره بخير ، ويقول :

( مَن سَرَّه أن ينظر إلى رجلٍ يسبقه بعض أعضائه إلى الجنَّة ، فلينظر إلى زيد بن صوحان ) .

وتحقَّق هذا الكلام النبوي الذي كان فضيلة عظيمة لزيد في حرب جلولاء .

موقفه من عثمان :

كان لزيد لسان ناطق بالحقِّ ، مبيِّن للحقائق ، فلم يُطق عثمان وجوده بالكوفة ، فنفاه إلى الشام ، وعندما بلور الثوَّار تحرُّكهم المناهض لعثمان ، التحق بهم أهل الكوفة في أربع مجاميع ، كان زيد على رأس أحدها .

موقفه من عائشة :

كتبت إليه عائشة تدعوه إلى نصرتها ، فلمَّا قرأ كتابها نطق بكلام رائع ، فقال :

( أُمرَتْ بأمرٍ واُمرنا بغيره ، فركبت ما أُمرنا به ، وأمرتنا أن نركب ما أُمرت هي به ، أمرَت أن تقرَّ في بيتها ، وأُمرنا أن نقاتل ، حتى لا تكون فتنة ) .

شهادته :

استشهد في حرب الجمل سنة ( 36 هـ ) ، وخاطبه الإمام‏ ( عليه السلام ) عندما جلس عند رأسه ، قائلاً :

( رَحِمَك الله يا زيد ، قَد كنتَ خَفيفَ المَؤُونة ، عَظيم المعونة ) .


 زهير بن القين ( رضوان الله عليه )

سيرته :

كان زهير شريفاً في قومه ، نازلاً بالكوفة شجاعاً ، له في المغازي مواقف مشهورة ، ومواطن مشهودة ، وكان في أول الأمر عثمانياً ، أي أنه يميل إلى عثمان ، ويدافع عن مظلوميته .

وكان قد حج في السنة التي خرج فيها الإمام الحسين ( عليه السلام ) إلى العراق ، فلما رجع من الحج جمعه الطريق مع الحسين ( عليه السلام ) ، فأرسل إليه الحسين ( عليه السلام ) و كَلَّمَهُ ، فانتقل علوياً و فاز بالشهادة .

قصة التحاقه بالإمام الحسين ( عليه السلام ) :

روى أبو مخنف في مقتله والمفيد في إرشاده وغيرهما قالوا : حدث جماعة من فزارة وبجيلة قالوا :

كنا مع زهير بن القين البجلي حين أقبلنا من مكة ، فَكُنَّا نساير الحسين ( عليه السلام ) ، فلم يكن شيء أبغض إليه من أن نسير معه في مكان واحد ، أو ننزل معه في منزل واحد .

فإذا سار الحسين تخلف زهير بن القين ، و إذا نزل الحسين تقدم زهير ، حتى نزلنا يوماً في منزل لم نر بداً من أن ننازله فيه .

فنزل الحسين ( عليه السلام ) في جانب و نزلنا في جانب ، فبينما نحن جلوس نتغدى من طعام لنا إذ أقبل رسول الحسين ( عليه السلام ) حتى سَلَّم ، ثم دخل فقال : يا زهير بن القين ، إن أبا عبد الله الحسين ( عليه السلام ) بعثني إليك لتأتيه .

فطرح كل إنسان منا ما في يده حتى كأن على رؤوسنا الطير ، كراهة أن يذهب زهير إلى الحسين ( عليه السلام ) ، فإنهم كانوا عثمانية ، يبغضون الحسين وأباه أمير المؤمنين ( عليهما السلام ) .

قال أبو مخنف : فحدثتني دلهم بنت عمرو ، امرأة زهير فقالت : قلت له : سبحان الله ! أيبعث إليك ابن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ثم لا تأتيه ، فلو أتيته فسمعت من كلامه ثم انصرفت .

فأتاه زهير بن القين ، فما لبث أن جاء مستبشراً قد أشرق وجهه ، فأمر بفسطاطه وثـقله ورحله فَقَوَّض وحمل إلى الحسين ( عليه السلام ) .

ثم قال لي : أنت طالق ، إلحقي بأهلك ، فإني لا أحب أن يصيبك بسببي إلا خير .

ثم قال لأصحابه : من أحب منكم أن يتبعني وإلا فإنه آخر العهد ، أني سأحدثكم حديثاً :

غزونا بلنجر ففتح الله علينا وأصبنا غنائم ، فقال لنا سلمان : أفرحتم ؟ قلنا نعم ، فقال : إذا أدركتم سيد شباب آل محمد ( عليهم السلام ) فكونوا أشد فرحاً بقتالكم معه مما أصبتم اليوم من الغنائم .

فأما أنا فأستودعكم الله ، قالوا : ثم والله ما زال في القوم مع الحسين ( عليه السلام ) حتى قُتل .

من مواقفه البُطُولِيَّة :

أولاً : قال أبو مخنف وغيره :

إنه لما التقى الحُرُّ بالحسين ( عليه السلام ) بذي حسم ( وهو جبل ) ، ومنعهم الحرُّ من المسير ، خطبهم الحسين ( عليه السلام ) خطبته التي يقول فيها : ( إنه نزل بنا من الأمر ما قد ترون ) إلخ .

فقام زهير وقال لأصحابه : تتكلمون أم أتكلم ؟

قالوا : بل تكلم .

فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : قد سمعنا هداك الله يا ابن رسول الله مقالتك ، والله لو كانت الدنيا لنا باقية ، وكنا فيها مخلدين إلا أنَّ فراقها في نصرك ومواساتك ، لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها ، فدعا له الحسين ( عليه السلام ) وقال له خيراً .

ثانياً : ولما ذهب أبو الفضل العباس ( عليه السلام ) إلى أصحاب عمر بن سعد يسألهم ما بالهم حين زحفوا لقتال الحسين ( عليه السلام ) كان في عشرين فارساً ، فيهم حبيب بن مظاهر ، وزهير بن القين .

فقالوا : جاء أمر الأمير بالنزول على حكمه أو المنازلة .

فقال لهم العباس ( عليه السلام ) : لا تعجلوا حتى أرجع إلى أبي عبد الله ( عليه السلام ) فأعرض عليه ما ذكرتم ، فوقفوا وذهب العباس ( عليه السلام ) راجعاً ووقف أصحابه .

فقال حبيب لزهير : كلِّمِ القومَ إن شئت ، وإن شئت كلَّمتُهُم أنا .

فقال زهير : أنت بدأت فكلمهم ، فقال لهم حبيب : إنه والله لبئس القوم عند الله غداً ، قوم يقدمون على الله وقد قتلوا ذرية نبيه وعترته وأهل بيته ، وعبَّاد أهل هذا المصر المجتهدين بالأسحار والذاكرين الله كثيراً .

فقال له عزرة بن قيس : إنك لَتُزَكِّي نفسك ما استطعت .

فقال له زهير : إن الله قد زكاها وهداها ، فاتَّقِ اللهَ يا عزرة ، فإني لك من الناصحين ، نشدتك الله يا عزرة أن تكون ممن يعين الضُّلاَّل على قتل النفوس الزكية .

فقال عزرة : يا زهير ما كنت عندنا من شيعة هذا البيت ، إنما كنت عثمانياً !

قال : أفلا تستدل بموقفي هذا على أني منهم ؟ ، أما والله ما كتبت إليه كتاباً قط ، ولا أرسلت إليه رسولاً قط ، ولا وعدته نصرتي قط ، ولكن الطريق جمع بيني وبينه .

فلما رأيته ذكرت به رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ومكانه منه ، وعرفت ما يقدم عليه عدوه وحزبكم .

فرأيت أن أنصره ، وأن أكون في حزبه ، و أن أجعل نفسي دون نفسه ، حفظاً لما ضَيَّعتُم من حق الله وحق رسوله .

ثالثاً : قال أبو مخنف والمفيد وغيرهما : ولمَّا خطب الحسين ( عليه السلام ) أصحابه وأهل بيته ليلة العاشر من المحرم ، وأذن لهم في الانصراف وأجابوه بما أجابوه ، كان ممن أجابه زهير بن القين .

فقام وقال : والله لوددت أني قتلت ثم نشرت ثم قتلت ، حتى أقتل كذا ألف ، وأن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك .

رابعاً : قالوا : ولمَّا عبّأ الحسين ( عليه السلام ) أصحابه للقتال ، جعل في ميمنته زهير بن القين ، ولما خطب الحسين ( عليه السلام ) أهل الكوفة يوم عاشوراء ونزل ، كان أول خطيب بعده زهير بن القين .

فخرج على فرس له ذنوب وهو شاك في السلاح ، فقال : يا أهل الكوفة ، بدار ( إنذار ) لكم من عذاب الله بدار ( إنذار ) ، أنَّ حقاً على المسلم نصيحة المسلم ، ونحن حتى الآن إخوة على دين واحد وملة واحدة ، ما لم يقع بيننا وبينكم السيف ، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة ، وكنا نحن أمة وأنتم أمة .

إن الله قد ابتلانا وإياكم بذرية نبيه محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، لينظر ما نحن وأنتم عاملون ، إنا ندعوكم إلى نصرهم ، وخذلان الطاغية عبيد الله بن زياد .

فإنكم لا تدركون منهما إلا سوءاً كله ، عمر سلطانهما [ على مدى أيام حكمهما ] يسملان أعينكم ، ويقطعان أيديكم وأرجلكم ، ويمثلان بكم ويرفعانكم على جذوع النخل ، ويقتلان أماثلكم وقراءكم ، أمثال حجر بن عدي وأصحابه ، وهانيء بن عروة وأتباعه .

فسبوه وأثنوا على ابن زياد ، وقالوا : والله لا نبرح حتى نقتل صاحبك ومن معه ، أو نبعث به وبأصحابه إلى الأمير عبيد الله بن زياد سلماً .

قال أبو مخنف : فناداه رجل من خلفه : يا زهير ، إن أبا عبد الله يقول لك أقبل ، فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه وأبلغ في الدعاء ، لقد نصحت لهؤلاء وأبلغت ، لو نفع النصح والإبلاغ ، فرجع .

شهادته :

لمّا فرغ الحسين ( عليه السلام ) من صلاة الظهر يوم العاشر من المحرم ، تَقَدَّم زهير (رضوان الله عليه) ، فجعل يقاتل قتالاً لم يُرَ مثله ، ولم يسمع بشبهه .

قال ابن شهر آشوب في المناقب وغيره : حمل على القوم وهو يقول :

أنا زهير وأنا ابن القين

أذودكم بالسيف عن حسين

إنّ حسيناً أحد السبطين

من عترة البرّ التقيّ الزين

ذاك رسول الله غير المَيْن

أضربكم ولا أرى من شين

يا ليت نفسي قُسمت قسمين

قال ابن شهر آشوب :

فقتل زهير بن القين ( رضوان الله عليه ) مائة وعشرون رجلاً ، ثم رجع ووقف أمام الحسين ( عليه السلام ) وقال له :

فدتك نفسي هادياً مهديَّا

أليوم ألقى جدَّك النبيَّا

وحسناً والمرتضى عليَّا

وذا الجناحين الشهيد الحَيَّا

فكأنه وَدَّعَهُ ، وعاد يقاتل فشدَّ عليه كثير بن عبد الله الشعبي ، ومهاجر بن أوس التميمي فقتلاه ، ولما صُرع وقف عليه الحسين ( عليه السلام ) فقال :

( لا يُبعِدَنَّكَ الله يَا زهير ، ولعن الله قاتلك ، لُعِنَ الذين مُسِخُوا قردةً وخنازير ) .

فكانت شهادته ( رضوان الله عليه ) في واقعة الطف بكربلاء ، في سنة
( 61 هـ ) .


 سالم بن عمرو ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

هو سالم بن عمرو مولى بني المدينة الكلبي ، من أصحاب الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، عاصر الإمام علياً ، والإمام الحسن ، والإمام الحسين ( عليهم السلام ) .

أخباره :

كان فارساً ، شجاعاً ، كوفياً ، خرج مع مسلم بن عقيل ، ولما تخاذل الناس عن مسلم ، قبض عليه كُثير بن شهاب التميمي مع جماعة آخرين ، وأراد تسليمه إلى عبيد الله بن زياد مع أصحابه ، لكنَّه أفلت واختفى عند قومه .

شهادته :

خرج إلى الإمام الحسين ( عليه السلام ) أيام المُهَادنة ، وانضمَّ إلى عسكره ، وعندما نشب القتال استشهد بين يديه في الحملة الأولى في كربلاء ، في العاشر من محرم الحرام سنة ( 61 هـ ) .


 سعيد بن جبير ( رضوان الله عليه )

ولادته :

ولد سعيد بن جبير بن هاشم الأسدي في سنة ( 45 هـ ) .

سيرته :

كان سعيد بن جبير من كبار التابعين ، وكان من أصحاب الإمام السجاد ( عليه السلام ) ، وروي أنه لم يكن في زمن الإمام السجاد ( عليه السلام ) إلا خمسة من الأوفياء وقدوة في الإيمان كان سعيد واحداً منهم .

وكان سعيد فقيهاً ورعاً عالماً بالقرآن وتفسيره ، بالإضافة إلى رواية الحديث عن الصحاية والتابعين .

كان مدافعاً عن ولاية أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وله في ذلك محاججة مع الوالي الأموي الحجاج بن يوسف أدت إلى قتله .

ومن كلامه في الخشية من الله وذكره يقول : إن الخشية أن تخشى الله حتى تحول خشيتك بينك وبين معصيتك فتلك الخشية ، والذكر طاعة الله ، فمن أطاع الله فقد ذكره ، ومن لم يطعه فليس بذاكر وإن أكثر التسبيح وتلاوة القرآن .

مقتله :

ألقى القبض عليه والي مكة خالد بن عبد الله القسري وأرسله إلى الحجاج ، وعندما وصل دارت بينه وبين الحجاج محاورة حول النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأمير المؤمنين ( عليه السلام ) وعن رأيه بالخلفاء ، وفي نهاية المطاف أمر الحجاج جلاوزته بقتله وكان ذلك سنة 95 هـ .

ودفن في مدينة واسط في العراق .


 سعيد بن قيس الهمداني ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

سعيد بن قيس بن زيد .. بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ ، وهو من عِليَة هَمْدان وكبرائها ، ومن سلالة ملوكها ، وكان سيِّدُها المطاع .

ولادته :

لا يوجد تاريخ واضح لولادته ، لعدم نصِّ المؤرخين والمترجمين له على ذلك ، ولفقدان القرائن التي تشير إلى تاريخ يُقدَّر أو يُخمَّن .

إلا أن الذي نقف عليه هو أن سعيد بن قيس كان من كبار جيل التابعين .

سيرته :

كان سعيد بن قيس رجلاً صالحاً عابداً ، وهو – بالإضافة إلى ذلك – الرجل الشجاع المحارب الصامد ، الذي كان له باعٌ طويل وتجربة عميقة ناجحة في المعارك .

وقد بَرزَت قدراته العسكرية وملكاته القيادية في المواقع الحساسة وعند تسلمه للمسؤوليات التي اُنيطت به في معركتَي الجَمَل وصِفِّين ، وما بعدهما من المناورات التي كانت بين جيوش الإمام الحسن ( عليه السلام ) سبط رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وجيوش معاوية .

وكان سعيد ( رضوان الله عليه ) من أعمدة القتال في تشكيلة الجيش العلَوي ، فكان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يُخرج إلى القتال مَرَّةً الأشتر ، ومَرَّةً حُجْرَ بن عديٍّ ، ومَرَّةً سعيدَ بن قيس الهمداني ، ومَرَّةً قيس بن سعد بن عُبادة الأنصاري .

وكان سعيد يحرس الإمام ( عليه السلام ) حراسة نابهة ، ويحرص على حياته المباركة أشد الحرص ، ويتبعه اتِّباع الظل .

واللافت في شجاعة سعيد بن قيس أنها مقرونة بالذكاء والخطط الحربية والحنكة العسكرية ، فلم تكن مجرد طاقات بدنية عالية ، إنما كانت مُطَعَّمَةً بالتجربة الطويلة والخبرة العميقة .

كما كان ذا قدرة متفوقة في ضبط الجيش ، واتخاذ الموقف النسب في المكان والزمان المناسبين .

جهاده :

اشترك سعيد بن قيس في فتح نَهاوَند سنة ( 19 هـ ) ، وكان صاحب راية همدان في معركة الجمل ، وقد شارك أيضاً في عقر الجمل .

كما أنه كان من أَحَدِ الخمسة الذين أيَّدوا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في المسير إلى الشام ( صفين ) ، وقد عُقد له اللواء على همدان .

وذهب هو وبشير الأنصاري رسولَين إلى معاوية إتماماً للحجة عليه قبل بدء القتال ، فقال له سعيد : والله يا ابن هند ! لتَغلِبنَّ سيوفُ صاحبِنا ما تودُّ أنَّ اُمَّك لم تلدك ، ولم تكن في العالمين ، ولما اشتد القتال اقترب سعيد من معاوية وكاد يقتله .

وقد أبطل خطة معاوية الذي بعث كتيبة بقيادة عبيد الله بن عمر بن الخطاب لتهاجم جيش الإمام علي ( عليه السلام ) من الخلف ، فحمل عليهم سعيد بن قيس وصدهم .

وتقدم سعيد في همدان أمام أصحاب الصفوف من جيش معاوية ، فقتل هو وجماعة بصفوفهم أكثر من ثلاثة آلاف فارس من قوات الشام في بقعة واحدة .

ثم حملوا على أصحاب معاوية حتى ألجأوهم إلى التلِّ ، ثمّ صعدت همدان في أثرهم فحدروهم من التلِّ وأخذت السيوف هامات الرجال .

ولاؤه لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) :

يُعد سعيد بن قيس من الرجال الذين يُفتَخر بهم ويُشار إلى إيمانهم ومنزلتهم الاعتقادية والولائية .

ومهما أثنت كتب الرجال عليه فإن ثناء الإمام المعصوم ( عليه السلام ) يبقى هو الأسمى والأوثق .

فينقل لنا التاريخ أن عمرو بن الحُصَين السَّكوني عندما حاول اغتيال أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) بادَرَه سعيد بن قيس فقتله ، فانزعج معاوية ، وجمع جمعاً من القبائل وأمرهم بقتال هَمْدان خاصة .

فلما رآهم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) نادى : يا همدان ، فأجابوه : لبيك لبيك يا أمير المؤمنين ، وأبلَوا بلاءً حسَناً ، فيما توجه سعيد في رجال همدان حتى هزم تلك الجموع وألحقها بمعسكر معاوية .

فسُرَّ بذلك الإمام علي ( عليه السلام ) وأثنى على سعيد وهمدان قائلاً : يا آلَ همدان ، أنتم مِجَنِّي ودِرعي ، بكم أستَظهِر .

ولما أحسنت همْدان القتال في صِفِّين قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بعد أن جَمعَهم : يا معشرَ همدان ، أنتم دِرعي ورُمحي ، يا همدان ، ما نَصرتُم إلا الله ولا أجَبتُم غيرَه .

هنا قام سعيد بن قيس فقال : أجَبنا اللهَ وأجَبناك ، ونصرنا نبيَّ الله ( صلى الله عليه وآله ) في قبره ، وقاتَلْنا معك مَن ليس مثلَك ، فارمِ بنا حيث أحببت .

ويُستشهد الإمام علي ( عليه السلام ) ويبقى سعيد بن قيس ثابتاً على عهد الولاية ، متمسكاً بحبل الإمامة ، فإذا جاء الإمام الحسن ( عليه السلام ) أمر عُبيدَ الله بن العباس أن يشاور في أموره قيس بن سعد وسعيدَ بن قيس ، فإذا أصيب عبيد الله في المعركة كان الأمير بعده قيس بن سعد ، وإن أصيب قيس هذا كان الأمير سعيد بن قيس .

أشعاره وخطبه :

جمع سعيد بن قيس فنوناً من البلاغة ، مغرِّداً بالشعر العلَوي ، ومترنِّماً ببدائع القصائد الإسلامية ، وصادعاً بروائع الخطب والكلمات .

ولكن النصوص القليلة التي وصلت إلينا عن سعيد لا تروي غليل المتعطِّش لشعره .

ولقد جاء في أدبه مفردات خاصة ، استفادها من النصوص القرآنية والنبوية الشريفة ، فجاءت كلمة ( الإمام ) و ( الوصي ) و ( المولى ) ، وتعابير كثيرة تحكي عمقه الاعتقادي وتَثبُّتَه على معالم الدين الحنيف .

كما أنه قد انسَابَ في أدب سعيد الفخر أمراً عفوياً ، إذ هو زعيم هَمْدان ، وهمدان قبيلة يحق لها أن تفخر بمواقفها الشامخة .

فكان يقول :

قلْ للوصيِّ أقبلَتْ قحطانُها

فادعُ بها تكفيكَها هَمْدانُها

                     همُ بَنوها وهُمُ إخوانُها

وشعره حماسي قتالي يهيج النخوة والغيرة ، ويثير القلوب إلى الجهاد والشهادة ، ونثره كذلك في الخطابة والرسالة .

فهو يكتب مثلاً إلى شُرَحبيل بن السِّمط الكندي الذي أغواه معاوية :

فلا تكن رأسَ الخطيئة ، ومفتاحَ البليَّة ، فإنِّي ما زلت لك ناصحاً ، وعليك مشفقاً .

وفاته:

لم نعثر على تاريخ محدد لوفاة سعيد بن قيس الهمداني ( رضوان الله عليه ) ، إلا أن المرجَّحَ عند أهل الأخبار أن وفاته ( رضوان الله عليه ) كانت بين سنة ( 41 – 45 هـ ) .


 سلمان المحمدي ( رضوان الله عليه )

بعض أخباره :

هو من أهل بلاد فارس ، ولم تحدِّد الروايات تاريخاً لولادته ، وقرأ أخبار الأديان ، وهاجر إلى الحجاز ، ويُعَدّ من السابقين الأوّليين إلى الإسلام .

كما شهد مع الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بدراً ، ولم يَفُتْه بعد ذلك مشهد من المشاهد .

سيرته ومنزلته :

روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( لا تَغلطَنَّ في سَلْمان ، فإنَّ الله تبارك وتعالى أمَرَنِي أن أُطلِعَهُ على عِلم البَلايا والمَنايا والأنساب ، وفَصْل الخِطاب ) .

ورُوي أيضاً عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من وجوه ، أنّه قال : ( لَو كَان الدِّينُ عِندَ الثُّريَّا لَنَالَهُ سَلمان ) .

وروي عنه ( صلى الله عليه وآله ) أيضاً : ( سَلْمَانٌ منَّا أهل البَيتِ ) .

وعنه ( صلى الله عليه وآله ) أيضاً : ( سَلمانٌ مِنِّي ، ومَنْ جَفَاهُ فقد جَفَاني ، ومَن آذاهُ فقد آذاني ) .

ورُوي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنّه قال فيه : ( كانَ عَبداً ، صَالحاً ، حَنيفاً ، مُسلماً ، وما كان من المشركين ، وقد أدرك سلمان العِلمَ الأوّل والآخر ، وهو بَحرٌ لا ينزف ، وقد أخبرَ عن مصارعِ الشهداء في كربلاء ، وعن أمْرِ الخوارج ) .

وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) – حسبما روي – : ( لا تَقُل : سَلمان الفَارِسي ، وَلكِن قل : سَلمان المُحَمَّدي ) .

وعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أيضاً : ( كَانَ رسولُ الله ( صلى الله عليه وآله ) وأميرُ المؤمنينَ ( عليه السلام ) يُحدِّثان سلمانَ بِما لا يَحتمِله غيره ، مِن مَخزونِ عِلم الله ومَكنونِه ) .

ويأتيه الأمر : ( يا سَلمان ، اِئتِ منزلَ فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فإنَّها إليكَ مُشتاقة ، تريد أن تُتحِفَك بِتُحفَةٍ قد أُتحِفَت بِها مِن الجنَّة ) ، وعلَّمته الزهراء ( عليها السلام ) أحدَ الأدعية أيضاً .

موقفه من بيعة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) :

كان سلمان أحد الذين بقوا على أمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بعد وفاته .

وكان من المعترِضين على صرف الأمر عن علي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى غيره ، وله احتجاجات على القوم في هذا المجال ، هو وأُبَيّ بن كعب .

وفاته :

توفّي سلمان المحمّدي ( رضوان الله عليه ) في اليوم الثامن من صفر 34 هـ ، وتولَّى غُسلَه ، وتجهيزَه ، والصلاةَ عليه ، ودفنَه ، الإمام علي ( عليه السلام ) ، وقد جاء من المدينة إلى المدائن من أجل ذلك ، وهذه القضية من الكرامات المشهورة لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) .

وقد نظم أبو الفضل التميمي هذه الحادثة ، فقال :

سَمعتَ مِنِّي يَسيراً مِن عَجائِبـه  **  وكُل أمـرِ عَليٍّ لَمْ يَزَل عَجَبـا

أُدرِيتُ في ليلةٍ سَارَ الوصيُّ إلى  **  أرضِ المَدَائِنِ لمَّا أنْ لَهَا طَلَبـا

فَألحَدَ الطُّهرَ سـلمَاناً وعَادَ إِلَى  **  عراصِ يَثْرِبَ وَالإِصبَاح مَا قَرُبَا

كَآصـِف لَم تَقـل أأنت بَلـى  **  أنـا بِحيـدر غالٍ أورد الكَذِبـا

وقبره ( رضوان الله عليه ) معروف بالمدائن ، في جنوب العاصمة بغداد .


 سليم بن قيس الهلالي ( رضوان الله عليه )

جوانب من حياته :

ورَدَ سليم بن قيس المدينة في سِنِّ الصبا ، أيام الخليفة الثاني ، وتعرَّف على أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وأمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، أمثال : أبو ذر ، وسليمان ، والمقداد ، وسألهم الشيء الكثير عن أخبار الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وسيرته ، وبقي يحتفظ بتلك الأخبار في ذاكرته ، بسبب منع تدوين الحديث أيام عمر وعثمان .

وفي زمن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أصبحت الفرصة سانحة له ، فقام بتدوين الحقائق التي كان يحفظها .

كان في زمن أمير المؤمنين من ( شرطة الخميس ) ، وعُدَّ من السبَّاقين في التأليف وضبط الحقائق والتاريخ .

كما اشترك في حرب الجمل ، وصفين ، والنهروان ، مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وفي زمن الإمام الحسن والإمام الحسين ( عليهما السلام ) كان من أنصارهما ، ويُرجَّح أنه كان سجيناً في أيام واقعة الطف .

بعد شهادة الإمام الحسين ( عليه السلام ) أصبح من أنصار الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) .

وكان من مُحدِّثي التابعين ، وعلمائهم ، وعظمائهم ، وهو من أصحاب أمير المؤمنين‏ ، والحسن‏ ، والحسين‏ ، وزين العابدين ، والباقر ( عليهم السلام ) .

كتاب سليم بن قيس :

يعتبر كتابه الذي جاء في كتب التراجم والمصادر بعناوين متنوّعة من أهَمِّ كتب الشيعة .

وسمَّاه بعض العلماء : أصل من أكبر كتب الأصول ، والذي هو الآن موجود في أيدينا وعنوانه : ( كتاب سُليم بن قيس الهلالي ) مع كثرة نسخه وطُرُقه ، ودار حوله كلام بين علماء الرجال منذ زمن بعيد .

فذهب بعضهم إلى أنَّه موضوع أساساً ، ورأى بعض آخر أنَّ نسبته إلى سليم ثابتة لا غبار عليها ، وحاول هؤلاء الإجابة عن الإشكالات والشبهات المثارة عليه .

واحتاطَ آخرون فقالوا : إنَّه مدسوس ، وحكموا عليه بأنَّ فيه الثابت والمشكوك فيه ، والحسن والردي‏ء ، والصحيح والسقيم .

مع هذا كلِّه ، فإنّ سُليماً نَفْسه لا قدح فيه ، إذ كان من الشخصيات المتألِّقة في تاريخ التشيُّع ، ومن الموالين الأبرار للأئمة الأطهار ( عليهم السلام ) ، ومن أحبَّاء آل الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وأودَّائهم .

وفاته :

بسبب اضطهاد الحَجَّاج للشيعة هاجر إلى بلاد فارس ، وتوفي فيها سنة ( 76 هـ ) .


 سليمان بن رُزين ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

سليمان بن رزين مولى الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وعاصر من المعصومين الإمامين الحسن والحسين ( عليهما السلام ) .

أخباره :

كانت أمّهُ جاريةً للإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وكانت تخدم في بيت إحدى أزواجه ، فتزوَّجها رُزين ، فولدت له سليمان .

بعثه الإمام الحسين ( عليه السلام ) بكتاب إلى أشراف أهل البصرة ، يدعوهم إلى نصرته ، فاعتقله ابن زياد ، وأودعه السجن .

شهادته :

أمر عبيد الله بن زياد بضرب عنقه ، فضربه سليمان بن عوف الحضرمي ، فاستشهد بالبصرة سنة ( 61 هـ ) .


 سليمان بن صرد الخزاعي ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

سُلَيمان ، بن صُرد ، من أهل ( الكوفة ) ، وهو من قبيلة ( خزاعة ) ، وكنيته ( أبو مطرف ) .

ولادته :

وُلد في سنة ( 28 هـ ) في اليمن .

صُحبته للنبي ( صلى الله عليه وآله ) :

صَحب سُلَيمانُ النبي ( صلى الله عليه وآله ) بعد أن أسلمَ على يديه ، وكان اسمه في الجاهلية ( يسارا ) ، وسَمَّاه الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بعد إسلامه ( سُلَيمان ) .

كما اشترك في بعض غزوات الرسول   ( صلى الله عليه وآله ) ، ومنها غزوة الخَندق ، وبعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) رحل إلى ( الكوفة ) ، وسكن فيها .

سيرته :

كان أحد الذين كتبوا إلى عثمان ، يشكون إليه أمر والي الكوفة سعيد بن العاص ، وتصرفاته المُشينة .

وكان من أوائل الصحابة الذين بايعوا الإمام عليّاً ( عليه السلام ) بعد مقتل الخليفة الثالث .

كما اشترك مع الإمام علي ( عليه السلام ) في جميع حروبه ، وكان أحد الأمراء البارزين في معركة صفين .

وقد قتل فيها أحد أبرز فرسان جيش معاوية ، وهو حَوشب ذو طليم ، وكان أحد الصحابة الذين ضَيَّقت عليهم السلطة الأمويَّة كثيراً .

كما أنه كان أوَّل من راسل الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، مع ثلاثة من أصحابه ، وهم : المُسيَّب بن نجبة ، ورفاعة بن شَدَّاد ، وحَبِيب بن مظاهر الأَسدي ، يطلبون من الإمام ( عليه السلام ) القدوم إلى الكوفة ، بعد أن تسلَّم يزيد دَفَّة الحُكم .

كما أنه سُجن مع خيرة الصحابة والتابعين الذين أرادوا نُصرة الإمام الحسين ( عليه السلام ) قبل قدومه ( عليه السلام ) إلى ( كربلاء ) ، وأمر بسجنه عبيد الله بن زياد عندما قَدم إلى الكوفة ، وصار أميراً عليها .

ثم خرج من السجن بعد انتهاء مأساة ( كربلاء ) واستشهاد الإمام الحسين ( عليه السلام ) سنة ( 61 هـ ) .

ونُصِّب بعد ذلك زعيماً للتحرُّك الشيعي ، المُطَالب بالثأر للحسين ( عليه السلام ) ، والذي رفع شعار : يا لثارات الحسين ( عليه السلام ) ، والذي استقطب كل من تَخاذَلَ عن نُصرة الإمام الحسين ( عليه السلام ) في عاشوراء .

كما كتب إلى أصحابه في البصرة ، والمدائن ، يدعوهم للانضمام إلى هذه الثورة ، فاستجابوا لدعوته .

مكانته :

قال ابن كثير : كان سُلَيمان صحابياً ، نبيلاً ، عابداً ، زاهداً .

وقال ابن سعد : صَحب النبي ، وكانت له سِنٌّ عالية ، وشرف في قومه .

وقال رفاعة بن شداد : شيخ الشيعة ، وصاحب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ذو السابقة والقدم ، المَحمُودي بأسه ودينه ، الموثوق بحزمه .

معركة ( عين الوردة ) :

جمع سُلَيمان أصحابه في النخيلة ، وفي نهاية ربيع الثاني سنة ( 65 هـ ) انطلق بهم – وهم أربعة آلاف مقاتل – قاصداً ( الشام ) ، وكان قد أطلق عليهم لقب ( التوَّابون ) .

فسلك بأصحابه طريق ( كربلاء ) لزيارة قبر الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وتجديد العهد معه .

وبعدها غادر مع أصحابه ( كربلاء ) عبر نهر الفرات إلى ( الأنبار ) ، ومنها إلى ( القيارة ) و( هيت ) ، ثُمَّ إلى ( قرقيسيا ) ، ثُمَّ توجهوا بعد ذلك إلى منطقة ( عين الوردة ) الواقعة شمال ( قرقيسيا ) .

والتقى جيشه بجيش عبيد الله بن زياد ، الذي كان ذاهباً إلى العراق ، لإخماد الاضطرابات التي قام بها الشيعة ضدَّ بني أمية هناك .

وكان هذا الجيش يبلغ عشرين ألفاً ، ودارت هناك معركة كبيرة ، وضرب فيها سليمان وأصحابه أروع أمثلة البطولة والصمود والتضحية .

شهادته :

بدأت المعركة في الثاني والعشرين من جمادى الأولى سنة ( 65 هـ ) ، واستمرَّت ثلاثة أيام ، وكاد أن يكون فيها النصر لِسُلَيمان وأصحابه ( رضوان الله عليهم ) ، لولا الإمدادات الكبيرة التي قَدِمت من ( الشام ) .

وفي اليوم الثالث من المعركة استشهد سليمان بن صرد الخزاعي ( رضوان الله عليه ) على أثر سَهمٍ أصابه به يزيد بن الحصين بن نمير .

وكان له ( رضوان الله عليه ) من العمر ( 93 ) عاما .


 سهل بن حنيف ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

سهل بن حنيف بن واهب بن العكيم بن ثعلبة بن مجدعة بن الحارث بن عمر بن خناس الأنصاري الأوسي ، أخو عثمان بن حُنيف .

جهاده مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) :

كان من  صحابة رسول ‏الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وأحد البدريِّين‏ ، شهد حروب النبي ( صلى الله عليه وآله ) كلها .

وعندما اشتدَّ القتال في معركة أحد ، وفرَّ جَمعٌ كبير من المسلمين ، كان سهل مِمَّن ثبت مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) .

ولاؤه لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) :

كان سهل من السبَّاقين إلى الدفاع عن الإمام أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) ، إذ رعى حُرمة حق الخلافة ، وهو من القلائل الذين صدعوا بذَودهم عن الإمام ( عليه السلام ) .

جهاده مع أمير المؤمنين :

اختار الإمام ( عليه السلام ) سهل بن حنيف لولاية الشام ، لكنَّ جنود معاوية حالُوا دون وصوله إليها ، ثمّ ولاَّه الإمام ( عليه السلام ) على المدينة .

وفي صفِّين دعاه إلى الالتحاق به ، وجعل مكانه تمَّام بن عبَّاس ، وكان فيها أميراً على خيَّالة من جند البصرة ، ثمَّ ولي فارس .

ثناء الإمام الصادق ( عليه السلام ) :

عن ذريح المحاربي قال : ذكر الإمام الصادق ( عليه السلام ) سهلَ بن حُنيف فقال : ( كَانَ مِن النُّقَبَاء ) .

 فقلت له : من نقباء نبي الله الإثني عشر ؟

فقال ( عليه السلام ) : ( نَعم ، كان من الذين اُختِيروا مِن السبعين ) .

فقلت له : كُفلاء على قومهم .

فقال ( عليه السلام ) : ( نعم ، إنَّهم رجعوا وفيهم دَم ، فاستنظروا رسول‏ الله ( صلى الله عليه وآله ) إلى قابل ، فرجعوا ففزعوا من دمهم واصطلحوا ، وأقبل النبي معهم ) .

وذكر سهلاً فقال ( عليه السلام ) : ( مَا سَبَقه أحدٌ من قريش ولا من الناس بِمَنقبة ) .

وأثنى ( عليه السلام ) عليه وقال : ( لما مات جزع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) جزعاً شديداً ، وصلَّى عليه خمس صلوات ، وقال : لو أحبَّنِي جبل لتهافت )‏ .

وفاته :

توفي ( رضوان الله عليه ) بالكوفة ، بعد عودته من صفين سنة ( 38 هـ ) ، وصلّى عليه أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) ، فكبَّر سِتاً ، وروي : خَمساً ، وقال ( عليه السلام ) : ( إنه بدري ) .

وأثنى ( عليه السلام ) عليه ( رضوان الله عليه ) كثيراً عند دفنه .


 صعصعة بن صوحان ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

صعصعة بن صوحان بن الحارث بن الهجرس بن صبرة بن خدرجان بن عساس بن ليث بن حداد بن ظالم العبدي .

ولادته :

وُلِد سنة ( 24 ) قبل الهجرة النبوية .

إسلامه :

كان مسلماً على عهد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ولم يره .

مكانته :

كان من كبار أصحاب الإمام علي ( عليه السلام ) ، ومن الذين عرفوه حقَّ معرفته كما هو حقه ، وكان خطيباً بليغاً .

أثنى عليه أصحاب التراجم بقولهم : كان شريفاً ، أميراً ، فصيحاً ، مفوَّهاً ، خطيباً ، لَسِناً ، دَيِّناً ، فاضلاً .

ويكفي في عظمته قول الإمام الصادق ( عليه السلام ) :

( ما كان مع أمير المؤمنين من يعرف حَقَّه إلاَّ صعصعة وأصحابه‏ ) .

ولاؤه لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) :

كان صعصعة عميق الفكر ، قليل المثيل في معرفة عظمة علي ( عليه السلام ) ، فعبَّر عن اعتقاده الصريح الرائع بإمامه ، وخاطبه قائلاً : والله يا أمير المؤمنين ، لقد زيَّنْتَ الخلافة وما زانتك ، ورفعتها وما رفعتك ، وَلَهِي إليك أحوج منك إليها .

ومن شِدَّة ولائه جعله أمير المؤمنين ( عليه السلام ) شاهداً على وصيَّته‏ ، فسجَّل بذلك فخراً عظيماً لهذا الرجل .

جهاده :

عندما أشعل مُوقِدو الفتنة فتيل الحرب على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في الجمل ، كان إلى جانب الإمام ، وبعد أن استشهد أخواه زيد وسيحان اللذان كانا من أصحاب الألوية ، رفع لواءهما وواصل القتال .

وفي حرب صِفِّين ، كان رسول‏ الإمام ( عليه السلام ) إلى معاوية ، ومن أُمراء الجيش ، وراوي وقائع صفِّين .

كما وقف إلى جانب الإمام ( عليه السلام ) في حرب النهروان ، واحتجَّ على الخوارج بأحقِّيَّة إمامه وثباته .

ونطَق صعصعة بفضائل الإمام ومناقبه أمام معاوية وأجلاف بني أمية مراراً ، وكان يُنشد ملحمة عظمته أمام عيونهم المحملقة ، ويكشف عن قبائح معاوية ومثالبه بلا وجل .

وكم أراد منه معاوية أن يطعن في علي ( عليه السلام ) ، لكنَّه لم يلقَ إلاَّ الخزي والفضيحة ، إذ جُوبِه بخطبه البليغة الأخَّاذة .

وعندما ثار الناس على عثمان ، واتفقوا على خلافة الإمام أمير المؤمنين‏ ( عليه السلام ) ، آمنه معاوية مكرهاً بعد استشهاد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وصُلح الإمام الحسن ( عليه السلام ) .

فاستثمر صعصعة هذه الفرصة ضدَّ معاوية ، وكان معاوية دائم الامتعاض من بيان صعصعة الفصيح المعبِّر ، وتعابيره الجميلة في وصف فضائل الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ولم يخفِ هذا الامتعاض‏ .

موقفه من عثمان :

في الأمالي للطوسي عن صعصعة بن صوحان قال :

دخلت على عثمان بن عفَّان في نفر من المصريِّين ، فقال عثمان : قدِّموا رجلاً منكم يكلِّمني ، فقدّموني ، فقال عثمان : ( هذا ! ) ، وكأنّه استحدثني .

فقلت له : إنَّ العلم لو كان بالسن لم يكن لي ولا لك فيه سهم ، ولكنَّه بالتعلم .

فقال عثمان : هات .

فقلت : بسم الله الرحمن الرحيم :

( الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ) الحج : 41 .

فقال عثمان : فينا نزلت هذه الآية .

فقلت له : فَمُر بالمعروف وانْهَ عن المنكر .

فقال عثمان : دَعْ هَذا وهات ما معك .

فقلت له : بسم الله الرحمن الرحيم :

( الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) الحج : 40 .

فقال عثمان : وهذه أيضاً نزلت فينا .

فقلت له : فأعطنا بما أخذت من الله .

فقال عثمان : يا أيَّها الناس ، عليكم بالسمع والطاعة ، فإنَّ يد الله على الجماعة وإنَّ الشيطان مع الفذ ، فلا تستمعوا إلى قول هذا ، وإنَّ هذا لا يدري مَن الله ولا أين الله .

فقلت له : أما قولك : ( عليكم بالسمع والطاعة ) ، فإنّك تريد منَّا أن نقول غداً :

( رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ) الأحزاب : 67 .

وأمَّا قولك : ( أنا لا أدري من الله ) ، فإنَّ الله ربُّنا وربُّ آبائنا الأولين .

وأمَّا قولك : ( إني‏ لا أدري أين الله ) ، فإنَّ الله تعالى بالمرصاد .

قال : فغضب وأمر بصرفنا ، وغلق الأبواب دوننا .

ورُوي أن عثمان نفاه إلى الشام مع مالك الأشتر ورجالات من الكوفة .

وفاته :

نفاه معاوية إلى البحرين ، وتوفي ( رضوان الله عليه ) فيها سنة ( 56 هـ ) ، ومزاره مشهور يزوره المؤمنون في جنوب عاصمة البحرين : المَنَامة .


 صفوان بن يحيى البجلي ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

صفوان بن يحيى البجلي الكوفي ، كان بائع أقشمة تسمى السابري ، ولأجل ذلك عُرف بـ( بياع السابري ) ، ويُكنَّى أبو محمد .

سيرته :

عَدَّه الشيخ الطوسي ( قدس سره ) من أصحاب الإمام الكاظم والرضا والجواد ( عليهم السلام ) ، وقد تربَّى صفوان على فكر أهل البيت ( عليهم السلام ) ، واقتدى بهم في سلوكه ، وسار على هديهم .

فكان من عمالقة التقوى والدين في الإسلام ، ومن ألمع أصحاب الأئمة الطاهرين ( عليهم السلام ) في فضائله وعلومه ، ولابدَّ من وقفة قصيرة للتحدّث عنه .

واتفق الرواة والمترجمون على وثاقته ، فقد قال الشيخ الطوسي ( قدس سره ) : إِنَّه أوثق أهل زمانه عند أهل الحديث .

وقال النجاشي ( قدس سره ) : إنَّه ثقة ، ثقة .

صفاته وأخلاقه :

الأولى : عبادته :

كان صفوان أعبد أهل زمانه ، فكان يصلّي كلّ يوم وليلة مِائة وخمسين ركعة ، ويصوم في السنة ثلاثة أشهر ، ويُخرج زكاة ماله في كلِّ سنة ثلاث مرات .

الثانية : شدَّة تَحرُّجه في الدين :

كان صفوان من أشدِّ الناس تحرُّجاً في الدين ، ويقول الرواة : إنَّ إنساناً كلَّفه حمل دينارين إلى أهله في الكوفة ، فقال له : إنَّ جمالي مُكرَاة ، وأنا أستأذن الأجراء .

وكان هذا منتهى ما وصل إليه المتَّقون من التحرُّج في الدين .

الثالثة : معاهدته مع إخوانه :

عقد مع بعض إخوانه المتقين معاهدة في بيت الله الحرام ، تنصُّ على أن من مات منهم فالباقي عليه أن يعمل لصاحبه ما يعمله لنفسه من الخيرات والمبرَّات .

وقد التزموا بذلك ، وكان آخر من بقي منهم صفوان ، فكان كلّما يصنعه لنفسه يصنعه لصاحبيه .

الرابعة : عدم حُبِّه للرئاسة :

زهد صفوان في جميع مظاهر هذه الحياة ، فقد رفض مظاهر الرئاسة ، وقد قال الإمام أبو الحسن ( عليه السلام ) :

( ما ذئبان ضاريان في غنم قد غاب عنها رُعاتها بأضَر في دين مسلم من حُبِّ الرياسة ) .

ثمَّ قال ( عليه السلام ) : ( لكن صفوان لا يحبُّ الرياسة ) .

الخامسة : طاعته للأئمة :

كان صفوان مطيعاً للأئمة الطاهرين ( عليهم السلام ) ، لم يخالفهم ، ولم يشذّ عن هديهم في قول ولا فعل .

وقد أثنى عليه الإمام الجواد ( عليه السلام ) لهذه الظاهرة ، فقد روى علي بن الحسين بن داود القمي قال : سمعت أبا جعفر ( عليه السلام ) يذكر صفوان بن يحيى ومحمد بن سنان ، وقال : رضي الله عنهما برضاي عنهما ، فما خالفاني وما خالفا أبي ( عليه السلام ) قط .

السادسة : فقاهته :

كان صفوان من أبرز الفقهاء في عصره ، روى الكشي بسنده عن الفقيه الكبير محمد بن سنان أنَّه قال : من كان يريد المعضلات فَإلَيَّ ، ومن أراد الحلال والحرام فعليه بالشيخ – يعني : صفوان بن يحيى – .

مؤلفاته :

ألَّف صفوان ثلاثين كتاباً دلَّت على مدى تضلُّعه واختصاصه في علم الفقه ، نذكر منها :

1 – كتاب الوضوء .

2 – كتاب الصلاة .

3 – كتاب الصوم .

4 – كتاب الحج .

5 – كتاب الزكاة .

6 – كتاب النكاح .

7 – كتاب الطلاق .

8 – كتاب الفرائض .

9 – كتاب الوصايا .

10 – كتاب الشراء والبيع .

11 – كتاب العتق والتدبير .

12 – كتاب البشارات .

وفاته :

توفي هذا العالم الكبير ( رضوان الله عليه ) سنة ( 210 هـ ) بالمدينة ، وبعث الإمام أبو جعفر الجواد ( عليه السلام ) بحنوطه وكفنه .

وأمر إسماعيل بن موسى بالصلاة عليه ، وقد وارى جثمانه ( رضوان الله عليه ) في البقيع .

وانتهت بذلك حياته ( رضوان الله عليه ) ، التي وهبها لله ورسوله ، ولأهل البيت ( عليهم السلام ) .


 عابس بن حبيب الشاكري ( رضوان الله عليه )

اسمه ونشأته :

هو عابس بن شاكر بن ربيعة بن مالك بن صعب بن معاوية بن كثير بن مالك بن جشم بن حاشد الهمداني الشاكري .

نشأ في أسرة عرفت بالبطولة والإقدام ، وشاء العلي القدير أن تكون أسرة بني شاكر وهم بطن من همدان ، كلهم بهذه الصفة إيماناً وبطولة وتفانياً في سبيل إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى .

سيرته :

كان من أهل المعرفة والبصيرة والإيمان ، ومن دعاة الحركة الحسينية بالكوفة .

وعندما قدم مسلم بن عقيل ( عليه السلام ) إلى الكوفة وأسرع أهلها لبيعته ، قام عابس الشاكري ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال لمسلم :

أما بعد فإني لا أخبرك عن الناس ولا أعلم ما في أنفسهم وما أغرك منهم ، والله أحدثك عما أنا موطّن نفسي عليه ، والله لأجيبنكم إذا دعوتم ، ولأقاتلن معكم عدوكم ، ولأضربن بسيفي دونكم ، حتى ألقى الله ، لا أريد بذلك إلا ما عند الله .

أقوال العلماء فيه :

1ـ قال الشيخ محمد السماوي : كان عابس من رجال الشيعة رئيساً شجاعاً خطيباً ناسكاً متهجداً ، وكان بنو شاكر من المخلصين لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) .

2ـ قال الشيخ ذبيح الله المحلاتي : من الشجعان المعروفين ، ورئيس الفرسان المتحمسين ، وكان شخصاً عابداً ، متهجداً ، يحيي الليل ، ومن الطراز الأول في محبة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .

3ـ قال الشيخ عبد الواحد المظفري : عريق في الشجاعة من حيث رهطه ومن حيث قبيلته ، وهو أمر محقق عند العرب .

شهادته :

أقبل عابس يوم كربلاء على الإمام الحسين ( عليه السلام ) وهو يقول : يا أبا عبد الله أما والله ما أمسى على ظهر الأرض قريب ولا بعيد أعز عليّ ولا أحب إليّ منك ، ولو قدرت على أن أدفع عنك الضيم والقتل بشيء أعز عليّ من نفسي ودمي لفعلته ، السلام عليك يا أبا عبد الله ، أشهد الله إني على هديك وهدي أبيك .

ثم مشى بالسيف مصلتاً نحوهم ، وبه ضربة على جبينه ، فأخذ ينادي ألا رجل لرجل ! فقال عمر بن سعد : ارضخوه بالحجارة ، فرمي بالحجارة من كل جانب ، فلما رأى ذلك ألقى درعه ومغفره ، ثم شد على الناس ، ففرّ أمامه أكثر من مائتين ، ثم أنهم تعطفوا عليه من كل جانب فقتل .


 عامر بن واثلة ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

عامر بن واثلة بن عبد الله الكناني الليثي ، المُكنَّى بـ( أبي الطُّفَيل ) ، وهو مشهور بهذه الكنية .

ولادته :

وُلد في السنة التي كانت فيها غزوة أحد .

مكانته :

أدرك عامر بن واثلة ثماني سنين من حياة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ورآه ، وهو آخر من مات من الصحابة ، وكان يقول : أنا آخر من بقي ممَّن كان رأى رسول ‏الله ( صلى الله عليه وآله ) .

كان من أصحاب الإمام علي ( عليه السلام ) وثقاته ، ومُحبِّيه‏ وشيعته ، وشهد معه جميع حروبه ، ذكره نصر بن مزاحم بأنَّه من مُخلِصِي الشيعة .

كان له حظ وافر من الخطابة ، وكان ينشد الشعر الجميل ، كما كان مقاتلاً باسلاً في الحروب .

خَطَب في صفين كثيراً ، وذهب إلى العسكر ، ومدح عليّاً ( عليه السلام ) بشعره النابع من شعوره الفيَّاض ، وافتخر بصمود أصحاب الإمام ، وقدح في أصحاب الفضائح من الأمويِّين وأخزاهم‏ .

وكان حامل لواء المختار الثقفي ، عندما نهض للثأر بدم الإمام الحسين ( عليه السلام ) .

ساعدته مهارته في الكلام ، واستيعابه لمعارف الحقِّ ، وإلمامه بكتاب الله ، على أن يتحدَّث بصلابة ، دفاعاً عن الحق ، وتقريعاً لأعدائه‏ .

قال الذهبي في حقِّه : كان ثقةً فيما ينقله ، صادقاً ، عالماً ، شاعراً ، فارساً ، عَمَّر دهراً طويلاً .

ولاؤه لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) :

جاء في سير أعلام النبلاء :  قال عبد الرحمن الهمداني : دخل أبو الطفيل على معاوية ، فقال ما أبقى لك الدهر من ثُكلِكَ عليّاً ؟

قال : ثُكل العجوز المِقْلات – التي لا يعيش لها ولد – والشيخ الرقوب – الذي لا كسب له – .

قال : فكيف حُبُّك له ؟

قال : حُب أمّ ‏موسى لموسى ، وإلى الله أشكو التقصير .

وفاته :

توفي ( رضوان الله عليه ) سنة ( 100 هـ ) ، وقيل غير ذلك .


 عبادة بن الصامت الأنصاري ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

عبادة بن الصامت بن قيس بن فهر بن قيس بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي ، كنيته أبو الوليد .

ولادته :

ولد في سنة ( 38 ) قبل الهجرة النبوية الشريفة .

جوانب من حياته :

كان عبادة فاضلاً خَيِّراً ، وقد كان في زمن الجاهلية من القواقل ، وسُمّوا بذلك ، لأنَّهم كانوا في زمن الجاهلية إذا نزل بهم الضيف قالوا له : قوقِل حَيثُ شئت ، أي اِذهب حيث شئت ، فإنَّ لك الأمان ، لأنَّك في ذِمَّتنا .

وكان أحد نقباء الأنصار الذين بايعوا الرسول ( صلى الله عليه وآله ) في العقبة الأولى ، والعقبة الثانية ، وكان من أوائل أهل المدينة الذين اعتنقوا الإسلام ، وأصبح من سادات الصحابة .

شهد بدراً والمشاهد كلها مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، كما استعمله على بعض الصدقات ، وكان أحد الخمسة من الأنصار الذين جمعوا القرآن في زمن النبي ( صلى الله عليه وآله ) .

وهو أول من تولَّى القضاء في فلسطين ، وشهد فتح مصر ، وكان أمير ربع المدد وكان من المنكرين على معاوية وسياسته ، فأغلط له معاوية في القول ، فقال عبادة : لا أساكنك بأرض واحدة ، ورحل إلى المدينة .

ونُقل عن الإمام الرضا ( عليه السلام ) أنه قال في عبادة :

( إنَّه مِن الذين مَضوا على منهاج نبيِّهم ( صلى الله عليه وآله ) ولم يبدَّلوا ) .

وفاته :

توفي ( رضوان الله عليه ) سنة ( 34 هـ ) في الرملة من أرض الشام ، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة ، ودفن ( رضوان الله عليه ) في بيت المقدس .


 عبد الله بن بُديل ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي .

إسلامه :

أسلم قبل فتح مكَّة .

جوانب من حياته :

شهد حنيناً ، والطائف ، وتبوك ، وأشخصه النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى اليمن مع أخيه عبد الرحمن .

عَدَّه المؤرِّخون من عظماء أصحاب الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وأعيانهم‏ ، وأحد دُهاة العرب الخمسة .

اشترك عبد الله في الثورة على عثمان ، ثم كان إلى جانب الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عضداً صلباً ، وصاحباً مُضحِّياً .

كما شهد معه الجمل ، وصفين ، وكان في‏ صفِّين قائد الرجَّالة ، أو قائد الميمنة ، وتولَّى رئاسة قُرَّاء الكوفة أيضاً .

ودافع عن إمامه ( عليه السلام ) حتى آخر لحظة من حياته ، بكلِّ ما أوتي من جُهد .

وتدل خُطبه وأقواله على أنه كان يتمتع بوعيٍ عظيم في معرفة أوضاع عصره ، وأُناس زمانه ، ودوافع أعداء الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .

وقف في صِفِّين بكلِّ ثبات ، وقال : إنَّ معاوية ادَّعى ما ليس له ، ونازع الأمر أهله ومن ليس مثله ، وجادل بالباطل لِيَدحض به الحق ، وصال عليكم بالأعراب والأحزاب ، وزيَّن لهم الضلالة ، وأنتم والله على نورٍ من ربِّكم ، وبرهانٍ مبين .

شهادته :

دنا عبد الله ( رضوان الله عليه ) في معركة صفين من معاوية بشجاعة محمودة ، وصولة لا هوَادة فيها .

فلمَّا رأى معاوية أنَّ الأرض قد ضاقت عليه بما رحُبت ، أمر أن يرضخ بالصخر والحجارة ويُقضى عليه .

فاستشهد عبد الله ( رضوان الله عليه ) ، وسمَّاه معاوية بـ( كبش القوم ) ، وذكر شجاعته واستبساله متعجِّباً ، وأنَّه لا نظير له في القتال .

وعندما طلب منه رفيق دربه وصاحبه الأسود بن طهمان الخزاعي أن يوصيه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة ، قال ( رضوان الله عليه ) : أوصيك بتقوى الله ، وأن تناصح أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وأن تقاتل معه المحلّين حتى يظهر الحق ، أو تلحق بالله ، وأبلِغْه عنّي السلام .

ولما بلغ الإمام ( عليه السلام ) قال :

( رَحمه الله ، جَاهَدَ معنا عدوَّنا في الحياة ، ونَصَحَ لنا في الوَفَاة ) .

وكانت شهادته ( رضوان الله عليه ) سنة ( 37 هـ ) .


 عبد الله بن جعفر الحميري ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

عبد الله بن جعفر الحميري، أصله من اليمن، لأن ( حِمْيَر ) منطقة في اليمن غرب مدينة صنعاء ، ويكنى بـ( أبي العباس ) .

مكانته العلمية :

دخل الحميري مدينة الكوفة عام ( 290 هـ ) ، وأخذ يتعلّم لينتفع أهل الكوفة بعلمه ، وهو من أعلام القرن الثالث الهجري .

كان من أصحاب الإمامين الهادي والعسكري ( عليهما السلام ) ، ومن أكابر علماء مدينة قم ،وكان من الشخصيات الشيعية اللامعة ، ووثَّقه علماء الرجال ، وأرجعوا إليه الكثير من المؤلفات .

مؤلفاته :

من مؤلفاته نذكر :

1 – كتاب الطب .

2 – كتاب الإمامة .

3 – كتاب التوحيد والاستطاعة .

4 – كتاب البداء .

5 – كتاب الدلائل .

6 – كتاب قرب الإسناد ، وقد شاع هذا الكتاب بين قدماء المحدثين لإحتوائه على أحاديث عالية السند .

وفاته :

لم نعثر على تاريخ وفاته ( رضوان الله عليه ) .


 عبد الله بن عروة الغفاري ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

عبد الله بن عروة الغفاري ، عاصر من المعصومين : الإمام الحسن والإمام الحسين ( عليهما السلام ) .

أخباره :

كان من أشراف أهل الكوفة وشجعانهم ، وكان جدّه من أصحاب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .

التحق بالإمام الحسين ( عليه السلام ) بـ( كربلاء ) ، فلما وقع القتال في اليوم العاشر ، تسابق أصحاب الحسين ( عليه السلام ) للتضحية والفداء ، والذبِّ عن سيدهم الإمام الحسين ( عليه السلام ) .

فخرج عبد الله بن عروة وأخوه ، وقالا للإمام الحسين ( عليه السلام ) : يا أبا عبد الله ، سلام عليك ، أحببنا أن نُقتل بين يديك وندافع عنك .

فقال ( عليه السلام ) : ( مَرحباً بكما ) .

 فنزلا إلى الميدان وجعلا يقاتلان قريباً منه ، وكان أحدهم يرتجز ، والآخر يتم له ، فيقولان :

قد علمت حقاً بني غفَّارِ                             وخندقٌ بعد بني نـزارِ

لنضربنَّ معشر الفُجَّـارِ                           بكل سيف صارم بَتَّار ِ

يا قوم ذودوا عن بني الأحرارِ

شهادته :

استشهد ( رضوان الله عليه ) بين يدي الإمام الحسين ( عليه السلام ) في ( كربلاء ) ، في اليوم العاشر من المحرم الحرام عام ( 61 هـ ) .


 عبد الرحمن بن مسعود التميمي ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

عبد الرحمن بن مسعود بن الحجاج التميمي ، وعاصر من المعصومين : الإمام علي ، والإمام الحسن ، والإمام الحسين ( عليهم السلام ) .

أخباره :

كان هو ووالده من الوجوه المعروفة ، وكانا شجاعين مشهورين ، خرجا من ( الكوفة ) في جيش عمر بن سعد ، فلمّا وصلا ( كربلاء ) ووجدا لهما الفرصة ، التحقا بالإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وذلك في اليوم السابع من المحرم ، وبقيا مع الإمام ( عليه السلام ) حتى اليوم العاشر من المحرم الحرام .

شهادته :

 استشهد مع أبيه ( رضوان الله عليهما ) في الحملة الأولى ، بين يدي الإمام الحسين ( عليه السلام ) في ( كربلاء ) ، في يوم العاشر من محرم الحرام سنة ( 61 هـ ) .


 عثمان بن مظعون ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب ، الجُمحي القرشي ، ويكنّى أبا السائب.

وقيل : كان عثمان بن مظعون أخا النبي ( صلى الله عليه وآله ) من الرضاعة .

ولادته :

ولد في عصر ملؤه الجهل وانحطاط القيم الإنسانيّة ، في عصرٍ كان يسوده الظلم والجور ، وعدم مراعاة حقوق الإنسان ، لكنّه ( رضوان الله عليه ) لم ينخرط في سلك أهل عصره ، بل جعل عقله قائده وراشده ، وسلك في حياته مسلك العقلاء والحكماء ، حتّى قيل : إنّه كان من حكماء العرب في الجاهلية .

تحريمه الخمر في الجاهليّة :

وممّا يدل على حكمته قبل الإسلام ، وسموّ عقله ، ما اتفق عليه أصحاب السير والتاريخ من أنّه حرّم الخمر على نفسه في الجاهلية ، وقال : لا أشرب شراباً يذهب عقلي ، ويضحك بي مَن هو أدنى منّي ، ويحملني على أن أنكح كريمتي ، أو : ويحملني على أن أُنكح كريمتي مَن لا أريد .

وقيل : إنّه لمّا حرّمت الخمر ، أتي وهو بالعوالي ، فقيل له : يا عثمان قد حرّمت الخمر ، فقال : تبّاً لها ، قد كان بصري فيها ثاقباً .

إسلامه :

أسلم عثمان بن مظعون بعد ثلاثة عشر رجلاً ، انطلق هو وجماعة حتّى أتوا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فعرض عليهم الإسلام وأنبأهم بشرائعه ، فأسلموا جميعاً ، وذلك قبل دخول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) دار الأرقم ، وقبل أن يدعو فيها .

وروي عن عثمان أنّه قال : كان أوّل إسلامي حبّاً من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ثمّ تحقق ذلك اليوم لمّا شاهدت الوحي إليه ، واستقرّ الإيمان في قلبي .

تعذيب قريش له وهجرته :

بعد أن أسلم عثمان ( رضوان الله عليه ) وأعلن إسلامه ، واجهته قريش بالأذى والسطوة ، كما هو ديدنها مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأصحابه ، فكانت بنو جُمح تؤذي عثمان وتضربه وهو فيهم ذو سطوة وقَدْر .

ولمّا اشتدّ أذى المشركين على الذين أسلموا ، وفتن منهم من فتن ، أذن الله سبحانه لهم بالهجرة الأولى إلى أرض الحبشة ، فخرجوا متسلّلين سرّاً ، وأميرهم عثمان بن مظعون .

ومكث عثمان وأصحابه في الحبشة ، حتّى بلغهم أنّ قريشاً قد أسلمت ، فأقبلوا نحو مكة ، وما إن اقتربوا منها حتّى عرفوا أنّ قريشاً لم تسلم ، وأنها ما زالت على عدائها لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فثقل عليهم أن يرجعوا ، وتخوّفوا أن يدخلوا مكة بغير جوار من بعض أهل مكة ، فمثكوا مكانهم حتّى دخل كلّ رجل منهم بجوارٍ من بعض أهل مكة ، ودخل عثمان بن مظعون مكة بجوار الوليد بن المغيرة .

وصرّح ابن الأثير : أنّ عثمان بن مظعون هاجر إلى الحبشة هو وابنه السائب الهجرة الأولى مع جماعة من المسلمين ، وذكر كيفية رجوعه وما جرى له مع لبيد وقال : ثمّ هاجر عثمان إلى المدينة وشهد بدراً .

مؤاخاته واشتراكه في بدر :

آخى رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) بين عثمان بن مظعون وبين أبي الهيثم بن التيّهان الأنصاري .

وشهد عثمان بن مظعون بدراً باتفاق المؤرخين ، وقد أسّر حنظلة بن قبيصة بن حذافة ، وقتل أوس بن المغيرة بن لوذان .

الآيات النازلة فيه :

هناك مجموعة من الآيات الكريمة نزلت في عدّة من الصحابة ، كان منهم عثمان بن مظعون .

نذكر منها ما يلي :

1ـ قوله تعالى : ( وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ  الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) البقرة : 45 ـ 46 .

2ـ قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) المائدة : 87 .

3ـ قوله تعالى : ( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) المائدة : 93 .

4ـ قوله تعالى : ( وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) النحل : 76 .

وصف الإمام علي ( عليه السلام ) له :

قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( كان لي فيما مضى أخ في الله ، وكان يُعظمه في عيني صِغرُ الدنيا في عينه ، وكان خارجاً من سلطان بطنه ، فلا يشتهي ما لا يجد ، ولا يكثر إذا وجد ، وكان أكثر دهره صامتاً ، فإنّ قال بدّ القائلين ونقع غليل السائلين ، وكان ضعيفاً مستضعفاً ، فإن جاءَ الجِدّ فهو ليثُ غابٍ وصِلُّ وادٍ ، لا يدلي بحجّة حتّى يأتي قاضياً ، وكان لا يلومُ أحداً على ما يجد العذر في مثله حتّى يسمع اعتذارَه ، وكان لا يشكو وجعاً إلاّ عند برئه ، وكان يفعل ما يقول ولا يقول ما لا يفعل ، وكان إذا غلب على الكلام لم يغلب على السكوت ، وكان على ما يسمع أحرص منه على أن يتكلّم ، وكان إذا بدهه أمران نظر أيّهما أقرب إلى الهوى فخالفه ، فعليكم بهذه الأخلاق فالزموها وتنافسُوا فيها ، فإن لم تستطيعوها فاعلموا أنّ أخذ القليل خيرٌ من ترك الكثير ) .

والمشار إليه بـ( كان لي فيما مضى أخ في الله ) عثمان بن مظعون على أحد الأقوال .

ويدلّ على أن المراد بالأخ هنا عثمان بن مظعون ما ورد من وصف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لعثمان بالأخ ، كقوله ( عليه السلام ) في وجه تسمية ولده بعثمان : ( إنّما سمّيته باسم أخي عثمان بن مظعون ) .

عبادته وزهده :

كان عثمان ( رضوان الله عليه ) من أشدّ الناس اجتهاداً في العبادة ، يصوم النهار ويقوم الليل ، ووصل به الحدّ في العبادة أنّه ترك وتجنّب الشهوات بالمرة ، واعتزل النساء ، حتّى روي : أنّ زوجته دخلت على نساء النبي ( صلى الله عليه وآله ) فرأينها سيئة الهيئة ، فقلن لها : ما لكِ ؟ فما في قريش أغنى من بعلك ! قالت : ما لنا منه شيء ، أمّا ليله فقائم ، وأمّا نهاره فصائم ، فدخل النبيُّ ( صلى الله عليه وآله ) ، فذكرن ذلك له ، فلقيه النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فقال : ( أما لك بي أسوة ؟ ) قال : بأبي وأمّي وما ذاك ؟ قال : ( تصوم النهار وتقوم الليل ؟ ) قال : إنّي لأفعل ، قال : ( لا تفعل ، إنّ لعينيك عليك حقّاً ، وإنّ لجسدك حقّاً ، وإنّ لأهلك حقّاً ، فصلِّ ونمْ وصم وافطر ) .

وفي رواية : ( يا عثمان لم يرسلني الله بالرهبانية ، ولكن بعثني بالحنيفية السهلة السمحة ، أصوم وأصلي ، وألمس أهلي ، فمن أحبّ فطرتي فليستن بسنّتي ، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي ، وأنزل الله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ ) المائدة : 87 ـ 88 .

وفاته :

نصّ كثير من المؤرّخين : على أنّ عثمان بن مظعون أول من مات بالمدينة من المهاجرين ، وذلك بعد أن شهد بدراً ، أي في السنة الثانية من الهجرة .

ولمّا توفّي دخل عليه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فأكب عليه يقبّله ويقول : ( رحمك الله يا عثمان ، ما أصبت من الدنيا ولا أصابت منك شيئاً ) .

وحظي عثمان بصلاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عليه ، وبمشاركته في تشييعه ودفنه ، فقد كان ( صلى الله عليه وآله ) قائماً على شفير القبر .

واتفق أصحاب السير والتاريخ : أنّ أول من دفن بالبقيع عثمان بن مظعون ، ولم يكن البقيع قبل دفن عثمان مقبرة ، وروي أنه ( صلى الله عليه وآله ) أمر أن يبسط على قبر عثمان ثوب ، وهو أول قبر بسط عليه ثوب ، وروي أيضاً أنه ( صلى الله عليه وآله ) رشّ قبر عثمان بالماء بعد أن سوّى عليه التراب ، وكان ( صلى الله عليه وآله ) يزور قبره بين الحين والآخر .

وقيل : أنّ إبراهيم ابن النبي ( صلى الله عليه وآله ) دفن إلى جنبه .


 عَدِي بن حاتم الطائي ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

عَدِي بن حاتِم الطائي بن عبد الله .. بن يَعرُب بن قحطان ، ويُكنَّى بـ( أبي طَريف ) و( أبي وَهب ) .

ولادته :

بناءً على أنَّ عمره حين وفاته ( 120 ) سنة ، تكون ولادته ما بين سنة ( 51 ) و( 54 ) قبل الهجرة النبويَّة المباركة .

نشأته :

نشأ عَدِي بن حاتِم منذ طفولته في الجاهليَّة ، وسط بيت يشخص فيه والده المعروف بالكرم ، فقد كان أحد الثلاثة الذين ضُرب بهم المثَل في الجود زمن الجاهليَّة .

أخباره :

تزوَّج حاتم امرأة تُدعى النوار ، وكانت تلومه على كرمه ، فتزوَّج ماويّة بنت عفزر ، من بنات ملوك اليمن ، وكانت تحبُّ الكرم وتوقِّر الكرماء ، فأنجبت له عَدِيّاً .

وقد ورث عَدِيٌّ تلك الخصال الحميدة عن أبيه ، الذي رَوى فيه الإمامُ الرضا ( عليه السلام ) أنَّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال لعدي :

( رُفِعَ عن أبيك العَذاب بِسَخَاوَةِ نَفسِه ) .

ونشأ على تلك المكارم حتَّى هذَّبها له الإسلام ، فانتهت إليه رئاسة طَيء بعد أبيه .

وفي ذلك يقول الشاعر :

شابَهَ حاتِماً عَدِيٌّ في الكَرَمْ                             ومَن يُشابِهْ أبَهُ فما ظلَمْ

ومن أخبار جُود عَدِي أنه سمع رجلاً من الأعراب يقول : يا قوم ، تصدَّقوا على شيخٍ مُعيل ، وعابرِ سبيل ، شَهِد له ظاهرُه ، وسمع شكواه خالقُه ، بدنُه مطلوب ، وثوبُه مسلوب .

فقال له عَدي : مَن أنت ؟

قال : رجلٌ من بني سعد ، في ديةٍ لَزِمَتْني .

قال : فكم هي ؟

قال : مِائة بعير .

قال عَدي : دوَنكَها في بطن الوادي .

وأرسل الأشعث بن قيس إلى عَدي يستعير منه قُدورَ حاتم أبيه ، فأمر بها عدي فمُلِئت ، وحملها الرجال إلى الأشعث .

فأرسل الأشعث إليه : إنَّما أردناها فارغة ، فأرسل إليه عَدي : إنَّا لا نُعيرها فارغة .

ما قيل فيه :

ومن هنا وَصَفه ابن عبد البَر بأنه : كان سَيِّداً ، شريفاً في قومه ، فاضلاً ، كريماً ، خطيباً ، حاضر الجواب .

وقال فيه ابن كثير : كان حاتم جواداً مُمدَّحاً في الجاهلية ، وكذلك ابنُه في الإسلام .

وقال ابن حجر العسقلاني يُعرِّفه : وَلَد الجواد المشهور ، أبو طَريف ، وكان جواداً .

وقال ابن الأثير : وكان جواداً ، شريفاً في قومه ، معظَّماً عندهم ، وعند غيرهم .

وقال الزركلي يتابع : عَدِي بن حاتم أميرٌ ، صَحَابي ، من الأجواد العُقَلاء ، كان رئيس طَيء في الجاهلية والإسلام .

صفاته :

كان عَدِي بن حاتم رجلاً ، جسيماً ، أعور ، ولم يكن العَوَر خِلقةً فيه ، بل طرأ عليه أثناء حروبه إلى جانب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .

فشهد واقعة الجمل ، وفيها ذهبت إحدى عينيه ، وشهد وقعة صِفِّين فذهبت فيها الأُخرى .

ويبدو أنَّ ذهاب العين لم يكن كاملاً ، لأن عديّاً اشترك في معركة النهروان ، وعاصر ما بعدها من الأحداث ، لكنَّ العرب يعبِّرون عن انقلاب الجفن ، وما شابهه من العيوب ، التي تُصيب العين ولا تذهب بالبصر كلّه ، بـ( العَوَر ) .

قِصَّة إسلامه :

كان عَدِي قبل البعثة على دين النصرانيَّة أو الركوسيّة ، وهو دين بين النصرانية والصابئية  .

ولم يكن وثنيّاً ، وكانت له زعامة قومه ورئاستهم ، وقد حاول أن يحتفظ بمنصبه في طَيء ، وبين قبائل العرب .

لكنَّ الخلُق النبوي جعله يدخل الإسلام ويعتنقه ، ويعتقده اعتقاد قَلبٍ وجَنان .

إيمانه وولاؤه :

كان عدي بن حاتم على جانب عظيم من الوثاقة ، ومن خُلَّص أصحاب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ومن بعده وَلدِه الإمام الحسن ( عليه السلام ) .

وكانت له مواقف مشرِّفة ، وكلمات صادقة ، تحكي مَدَى إيمانه بالله تعالى ورسوله ( صلى الله عليه وآله ) ، وشِدَّة انشداده إلى أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) .

وكان مِمَّن اعتقدوا ورَوَوا أنَّ الأئمة بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) اثنا عشر إماماً ، كُلُّهم من قريش .

وفي مناشدة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حين قال :

( أُنشد اللهَ مَن شَهِد يومَ غدير خُمٍّ إلاَّ قام، ولا يقوم رجل يقول نُبّئتُ أو بَلَغني ، إلاَّ رجلٌ سمِعت أُذُناه ، ووعاه قلبه ) .

فقام سبعة عشر رجلاً ، وكان منهم عَدِي بن حاتم .

فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( هَاتُوا مَا سَمِعتُم ) .

فنقلوا واقعة الغدير حتَّى انتهَوا إلى القول : ثمَّ أخذ ( صلى الله عليه وآله ) بيدك يا أمير المؤمنين ، فرفعها وقال :

( مَن كنتُ مَولاهُ فَهَذا علي مَولاه ، اللَّهمَّ والِ مَن والاه ، وعادِ مَن عاداه ) .

 فقال علي ( عليه السلام ) : ( صَدَقتُم ، وأنَا عَلى ذلك من الشَّاهِدِين ) .

وفاته :

قيل أن وفاته ( رضوان الله عليه ) إما في سنة ( 66 هـ ) أو ( 69 هـ ) ، وذكر بعض المؤرّخين أنه ( رضوان الله عليه )  توفّي في أيام المختار الثقفي .

 علماً أنَّ المختار كانت حكومته على الكوفة ( 18 ) شهراً ، وهي من ربيع الأول سنة ( 66 هـ ) إلى النصف من شهر رمضان سنة ( 67 هـ ) .


 علي بن مهزيار الدورقي ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

علي بن مهزيار الدورقي الأهوازي ، ويُكنَّى أبو الحسن ، من ألمع أصحاب الإمام الجواد ( عليه السلام ) .

سيرته :

من مشاهير علماء عصره ، فضلاً ، وتقوى ، وسنلمح هنا إلى بعض شؤونه :

أولاً : إسلامه :

كان علي بن مهزيار ينتحل دين المسيحية ، فهداه الله إلى الإيمان ، فأسلم وأخلص في إسلامه كأشدّ ما يكون الإخلاص .

ثانياً : عبادته :

ولم يُرَ مثل علي بن مهزيار في طاعته وتقواه ، وبلغ من عبادته إنه إذا طَلعت الشمس سَجد لله ، فلا يرفع رأسه من السجود حتى يدعو لألف رجل من إخوانه ، بمثل ما دعى لنفسه ، وكان على جبهته مثل ركبة البعير من كثرة السجود لله .

ثالثاً : وثاقته :

أجمع المترجمون له على وثاقته في الرواية ، فقد قال النجاشي ( قدس سره ) : كان ثقة في روايته ، لا يطعن عليه .

رابعاً : رسائله مع الإمام الجواد ( عليه السلام ) :

بعث الإمام الجواد ( عليه السلام ) إلى علي بن مهزيار عِدَّة رسائل ، وهي تكشف عن عظيم صلته بالإمام ( عليه السلام ) ، وسموِّ منزلته ومكانته عنده .

ومن بين هذه الرسائل ، قول ( عليه السلام ) :

( قد وصل إليّ كتابك ، وفهمت ما ذكرت فيه ، وقد ملأتني سروراً ، فَسرَّك الله ، وأنا أرجو من الكافي الدافع أن يكفيك كيد كُلِّ كائد ، إن شاء الله تعالى ) .

ودلَّت هذه الرسالة على قيام علي بن مهزيار بخدمة الإمام ( عليه السلام ) ، وقد ملأت قلبه الشريف فرحاً وسروراً ، فراح يدعو له بأن يجزل له الله المزيد من الثواب والأجر .

وكتب علي إلى الإمام الجواد ( عليه السلام ) رسالة ، يسأله التوسعة عليه ، وتحليله لما في يده من مال للإمام فأجابه ( عليه السلام ) :

( وسَّع الله عليك ، ولمن سألت له التوسعة في أهلك وأهل بيتك ، ولك يا علي عندي أكثر من التوسعة ، وأنا أسأل الله أن يصحبك بالتوسعة والعافية ، ويقدِّمك على العافية ، ويسترك بالعافية إنَّه سميع الدعاء ) .

لقد احتلَّ علي بن مهزيار قلب الإمام ( عليه السلام ) بصلاحه وتقواه ، ومزيد خدماته له .

روايته للحديث :

وقع علي بن مهزيار في إسناد كثير من الروايات ، تبلغ أربعمائة وثلاثين مورداً .

فقد روى عن : الإمام الجواد ( عليه السلام ) ، والإمام الهادي ( عليه السلام ) وعن أبي داود المسترق ، وأبي علي بن راشد ، وابن أبي عمير ، وغيرهم .

مؤلفاته :

ألَّف مجموعة من الكتب تدلُّ على سعة علومه ومعارفه ، ومعظمها كان في الفقه ، كما تدلُّ على أنَّه كان من كبار فقهاء الإسلام في زمانه ، وهي :

1 – كتاب الوضوء .

2 – كتاب الصلاة .

3 – كتاب الزكاة .

4 – كتاب الصوم .

5 – كتاب الحج .

6 – كتاب الطلاق .

7 – كتاب الحدود .

8 – كتاب الديات .

9 – كتاب التفسير .

10 – كتاب الفضائل .

11 – كتاب الحروف .

12 – كتاب القائم .

13 – كتاب البشارات ، وغيرها .


 علي بن يقطين ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

علي بن يقطين بن موسى ، مولى بني أسد ، كوفيّ الأصل ، بغداديّ المسكن ، كنيته ( أبو الحسن ) .

ولادته :

وُلد سنة ( 124هـ ) في الكوفة .

جوانب من حياته :

كان أبوه يقطين من وجوه الدعاة ، فطلبه مروان فهرب ، فهربت به أمه وبأخيه عُبَيد بن يقطين إلى المدينة .

فلمّا ظهرت الدولة الهاشمية – العباسية – ظهر يقطين ، وعادت زوجته بولدَيه : علي وعُبيد .

لم يَزل يقطين في ظِلِّ السفَّاح والمنصور ، وإن كان يتشيِّع ويقول بالإمامة .

واشتغل بادئ أمره في تجارة التوابل ، ثمَّ شقَّ طريقه إلى البلاط العبَّاسي فأصبح من بطانة المهدي ، ولا ريب في عقيدته الشيعية ، بيد أنه كان يُخفيها عن العباسيين ، كأبيه .

وفي زمن الخليفة العباسي هارون الرشيد أصبح من وزرائه ، وكانت علاقته وثيقةً بالإمام موسى الكاظم ( عليه السلام ) ، وله شأن كبير عنده .

ويذهب كُتاب الشيعة إلى أنَّ بقاءه في البلاط العباسي كان بتوصية الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ، لحماية المظلومين ، ودعم أتباع أهل البيت ( عليهم السلام ) .

وفي مرة قال له الإمام ( عليه السلام ) :

( كَفَّارة عَمَل السلطان الإحسان إلى الإخوان ) .

من هنا وُشِي به إلى هارون مراراً ، وذُكر له مذهبه واتِّصاله بالإمام ( عليه السلام ) ، بيد أنّه سَلِمَ من أذاه ، ولم يصل إليه سوء .

مكانته :

كان محدِّثاً ، فقيهاً ، متكلِّماً ، وعظيماً من عظماء الشيعة ، وثَّقه الشيخ الطوسي قائلاً : علي بن يقطين ( رحمة الله عليه ) ثقة ، جليل القدر ، له منزلة عظيمة عند أبي الحسن موسى ( عليه السلام ) ، عظيم المكانة في الطائفة .

وعَدَّه الشيخ المفيد من ثُقات أبي الحسن الكاظم ( عليه السلام ) وخاصته ، علماً أن الكِشِّي روى في مدحه روايات .

وقد وردت روايات كثيرة حول إيمانه وزهده ، منها أنَّ الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ضمِن له الجنَّة .

روايته للحديث :

كان ابن يقطين من الرُواة الثقات ، نقل أحاديث جمَّة عن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ، كما روى عنه عدد من الرجال ، وكان مجموع رواياته عن الأئمة ( عليه السلام ) أكثر من ( 187 ) رواية .

مؤلفاته :

أما كتبه فنذكر منها ما يلي :

1 – مسائله عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) .

2 – مناظرة للشاك بحضرة الإمام الصادق ( عليه السلام ) .

3 – مسائله عن أبي الحسن موسى بن جعفر ( عليه السلام ) .

وفاته :

توفي ( رضوان الله عليه ) سنة ( 182 هـ ) ببغداد ، عندما كان الإمام الكاظم ( عليه السلام ) سجيناً فيها .


 عمار بن حسان الطائي ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

عمار بن حسان بن شريح بن سعد الطائي ، عاصر من المعصومين : الإمام علي ، والإمام الحسن ، والإمام الحسين ( عليهم السلام ) .

أخباره :

كان من الأتباع المخلصين في الولاء ، ومن الشجعان المعروفين ، وكان أبوه حسان ، ممّن صحب الإمام علياً ( عليه السلام ) ، وقاتل معه في الجمل وصفين ، وقُتل هناك .

وصحب عمار بن حسان الإمام الحسين ( عليه السلام ) من ( مكة ) إلى ( كربلاء ) .

شهادته :

استشهد ( رضوان الله عليه ) بين يدي الإمام الحسين ( عليه السلام ) في ( كربلاء ) ، في اليوم العاشر من المحرم الحرام سنة ( 61 هـ ) .


عمار بن ياسر ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

عمَّار بن ياسر بن عامر بن مالك .. بن يَعرُب بن قَحطان .

ولادته :

وُلد بمكّة المكرّمة بين سنة ( 53 و 57 ) قبل الهجرة النبوية .

سيرته :

يُعدُّ عمار من المسلمين الأوائل الذين تحمّلوا أصناف التعذيب والتنكيل ، وكان من المهاجرين إلى المدينة ، فصلّى إلى القِبلتَين ، واتَّخذ في بيته مسجداً ، وكان أوّل من بنى مسجداً في الإسلام .

وشهد بدراً والخندق والمشاهد كلّها ، وقَتَل مجموعة من رؤوس الكفر والشرك ، ودعا إلى بيعة الإمام علي ( عليه السلام ) ، وكان من السابقين إلى الالتحاق به والمدافعين عنه حين هوجمت دار الزهراء ( عليها السلام ) .

وكان من الخواص الذين صلَّوا على جثمان الصدّيقة فاطمة ( عليها السلام ) ، وشيَّعوها ودفنوها سرّاً .

وَلِيَ الكوفة ، وشارك في فتح مدينة تُستَر ، وساهم في تعبئة الجيوش لفتح الري ، والدستبي ، ونهاوند ، وغيرها .

مواقفه مشهودة في الاعتراض على السقيفة والشورى ، التي غصبت حقوق أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فكان يجاهر بنصرة الحق ، ولم يُداهن الولاة ، حتّى دِيست بطنه وأصابه الفتق وغُشي عليه .

وكان من المشاركين في توديع أبي ذر حين نُفي إلى الربذة ، رغم المرسوم الصادر بالمنع من ذلك ، كما أنّه قد هُدِّدَ بالنفي ، وكاد يقع لولا احتجاج الإمام علي ( عليه السلام ) وبني مخزوم .

وسارع إلى مبايعة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وَوَبَّخَ الذين شقُّوا عصا الطاعة وأحدثوا الفُرقة في عهد الخليفة الحق .

توجّه بأمر الإمام علي ( عليه السلام ) مع الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، ومِن بعدهما ثلّة من المؤمنين لعزل أبي موسى الأشعري عن الكوفة ، واستنفار أهلها ، فخطب هناك واحتَجَّ احتجاجات رائعة ، وسحب أبا موسى من على المنبر .

ولشجاعته وشهامته وإقدامه وَلاَّهُ أميرُ المؤمنين ( عليه السلام ) مناصبَ حَربِيةٍ عديدة في معركة الجمل ، وقد قتل عدداً من صناديد جيش الناكثين ، وشارك في عقر جمل الفتنة .

كما أنّه كان من أوائل المُشَاوَرين في حكومة الإمام علي ( عليه السلام ) قُبيل واقعة الجمل ، وقبيل وقعة صفين التي أبلى فيها بلاءً كبيراً .

فقاتل فيها قتالاً شديداً ، وما حجزه عن المواصلة إلاّ الليل ، وكان له أثر واضح في الظفر ، ثمّ كان فيها شهادته .

ولاؤه وإيمانه :

يُعدُّ عمّار بن ياسر من القلّة القليلة التي شهد لهم الله ورسوله ( صلى الله عليه وآله ) وأئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) بالدرجات الرفيعة ، والمراتب العالية من الإيمان .

ففي كتاب الله تعالى تُذكر ظُلامته من جهة ، ويُوصف قلبه المؤمن بالاطمئنان من جهة ثانية ، ومن جهة ثالثة يُلتمَس له العذر ويُصبح موقفه حكماً شرعياً .

فأنزل الله عز وجل قوله الكريم : ( إلاَّ مَن أُكرِهَ وَقَلبُهُ مُطمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) النحل : 106 .

فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) عندها : يا عمّار ، إن عادوا فعُد ، فقد أنزل الله عز وجل عُذرك ، وأمرك أن تعود إن عادوا .

وقد كان عمّار من أهل الولاية ، ومن الموالين لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) والمخلصين المتفانين في محبّته ، والمستشهَدين على هداه .

أمّا كلمات رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في عمّار فهي كثيرة ووافرة ، وصريحة ومتظافرة ، وتشير إلى جلالته ، ورفعة مقامه ، وسموِّ درجاته في الدنيا والآخرة .

فمن أقواله ( صلى الله عليه وآله ) فيه :

1 – ( إنّ عمّاراً مُلئ إيماناً من قَرنه إلى قدمه ، واختلط الإيمان بلحمه ودمه ) .

2 – ( مرحباً بالطيِّب المطيَّب ، إئذنوا له ) .

3 – ( دم عمّار ولحمه وعظمه حرام على النار ) .

4 – ( الجنّة تشتاق إليك ـ يا علي ـ وإلى عمّار ، وإلى سلمان ، وإبي ذر ، والمِقداد ) .

ولما أخذ المسلمون يبنون مسجد المدينة ، جعل عمّار يحمل حَجَرينِ حَجَرين ، فمسح النبي ( صلى الله عليه وآله ) ظهره ، ثمّ قال : ( إنّك من أهل الجنّة ، تقتلك الفئة الباغية ) .

وقال ( صلى الله عليه وآله ) له مبشِّراً : ( أبشر يا أبا اليقظان ، فإنّك أخو علي في ديانته ، ومن أفاضل أهل ولايته ، ومن المقتولين في محبّته ، تقتلك الفئة الباغية ، وآخر زادك من الدنيا ضياح من لبن ) أي لبن رقيق كثير ماؤه .

منزلته :

حظي عمّار بن ياسر بمراقي الشرف والكرامة ، لموالاته للنبي وآله ( عليهم السلام ) .

فتسنم المنازل الرفيعة والمراتب السامقة ، إذ جرى ذِكر فضائله على لسان أهل بيت النبوة والعصمة ( عليهم السلام ) .

فكان أحدَ الأركان الأربعة مع سلمان والمقداد وأبي ذر ، وكان أحد الماضين على منهاج نبيهم ( صلى الله عليه وآله ) من جماعة الصحابة ، الأبرار الأتقياء الذين لم يبدلوا تبديلاً .

وكان عمّار من السبعة الذين بهم يُرزَق الناس وبهم يُمطَرون ، وبهم يُنصَرُون ، فسيّدهم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ومنهم سلمان ، والمقداد ، وأبو ذر ، وعمّار ، وحذيفة ، وعبد الله بن مسعود ، وهم الذين صَلَّوا على جثمان فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) .

وللمكانة الرفيعة التي كان يحتلُّها عمّار بن ياسر عند الإمام علي ( عليه السلام ) أنّه كان من شرَطة الخميس ، وقد سئل الأصبغ : كيف سُمِّيتم شرطة الخميس ؟

فقال : إنا ضَمِنَّا له – أي لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) – الذبح ، وضمنَ لنا الفَتح .

أشعاره وخطبه :

وكان شعر عمّار مرآة عاكسةً لما جال في قلبه ، فترنَّم بأمجاد إمامه أمير المؤمنين
( عليه السلام ) وفضائله .

فَتَغَنَّى بمنهجه وهو الصراط المستقيم ، ونابذ أعداءه الذين أخطأوا حظهم فاختاروا معصية الله تعالى .

فكان يقول :

طلحة فيها والزبير غادرُ  **  والحقُّ في كفِّ علي ظاهرُ

ويقول أيضاً :

سِيرُوا إلى الأحزاب أَعداء النبي  **  سِيروا فَخَيرُ النَّاس أَتبَاعُ عَليٍّ

أمّا خطبه فهي مثمرة بروائع من الكلمات والاحتجاجات الغلاَّبة ، فيصدع بالمتخاذلين ، والناكثين ، والمنهزمين قائلاً : معاشر المسلمين ، إنا قد كُنَّا وما نستطيع الكلام ؛ قلّةً وذِلَّة ، فأعزَّنا الله بدينه ، وأكرمنا برسوله ، فالحمد لله رب العالمين .

يا معشرَ قريش ، إلى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نَبِيِّكم ؟! تُحَوِّلُونه ها هنا مرّة ، وها هنا مرّة ، وما أنا آمنٌ أن ينزعه الله منكم ويضعَه في غيركم ، كما نزعتموه من أهله ، ووضعتموه في غير أهله .

وكأنّنا بعمّار بن ياسر يَتَرَسَّم خُطى إمامه ( عليه السلام ) ويقتدي به في بيان الحق ونصرته ، وفضح الباطل وتخذيله .

شهادته :

من عنايات الله تبارك وتعالى لعباده الصالحين المخلصين أن اختار لهم خاتمة الشرف والكرامة ، حيث رُزقوا الشهادة ولو بعد عمر مديد .

وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يبشّره ( رضوان الله عليه ) قائلاً : ( يا عمَّار ، إنّك ستقاتل بعدي مع عليٍّ صنفين ، الناكثين والقاسطين ، ثمّ تقتلك الفئة الباغية ) .

ففي معركة صفين برز عمّار ( رضوان الله عليه ) إلى القتال وقد دعا بشربة من ماء ، فقيل له : مَا مَعَنَا ماء ، فقام إليه رجل من الأنصار فأسقاه شربة من لبن ، فشربه ثمّ قال : هكذا عهد إليّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أن يكون آخر زادي من الدنيا شربة من اللبن .

ثمّ حمل ( رضوان الله عليه ) على القوم فقتل منهم ثمانية عشر ، وحمل عليه ابن جَون السكوني ، وأبو العادية الفزاري ، فكان الفزاري أن طعنه ، أمّا ابن جون فقد احتز رأسه ( رضوان الله عليه ) .

جرى ذلك في اليوم التاسع من صفر 37 هـ ، وكان عمر عمّار يوم استُشهد ( رضوان الله عليه ) واحداً وتسعين عاماً ، أو أربعاً وتسعين .

أمّا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فقد أبَّنَه أروع تأبين ، واقفاً عليه وقفة إكبار وإجلال واعتزاز ، إذ جاءه إلى مصرعه وجلس إليه ، ووضع رأسه في حِجره .

ثمّ قال ( عليه السلام ) : ( إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، إن امرئٍ لم تدخل عليه مصيبة مِن قتل عمّار فما هو من الإسلام في شيء ) .

ثمّ قال : ( رحم الله عمّاراً يوم يُبعث ، ورحم الله عمّاراً يوم يُسأل ) .

ثمّ قال : ( قاتلُ عمّار ، وسالب عمّار ، وشاتم عمّار في النار ) ، ثمّ صلّى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على عمّار ودفنه بثيابه ( رضوان الله عليه ) .


عمرو بن الحمق الخزاعي ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

عمرو بن الحمق بن الكاهن بن حبيب بن عمرو بن القين بن ذراح بن عمرو بن سعد بن كعب بن عمرو بن ربيعة الخزاعي .

إسلامه :

أسلَمَ بعد الحُدَيبية .

جوانب من حياته :

عمرو بن الحمق صحابي جليل من صحابة رسول‏ الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وأمير المؤمنين ، والإمام الحسن ( عليهما السلام ) ، وتعلَّم الأحاديث من النبي ( صلى الله عليه وآله ) .

وكان من الصفوة الذين حرسوا حَقَّ الخِلافة بعد رسول ‏الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فوقف إلى جانب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بإخلاص‏ .

اشترك في ثورة المسلمين على عثمان ، ورفع صوت الحقِّ إزاء التغيُّرات الشاذَّة التي حصلت في هذا العصر .

مكانته :

يمكن التعرف على منزلته من خلال أقوال الأئمة ( عليهم السلام ) بحقه :

فعبَّر عنه الإمام الحسين ( عليه السلام ) بـ( العَبد الصالِح الذي أبْلَتْه العِبَادة ) .

وعن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) : ( إِذَا كانَ يوم القيامة ، ينادي منادٍ : أين حواري علي بن أبي ‏طالب ( عليه السلام ) وصِي محمد بن عبد الله رسول‏ الله ؟

فيقوم عمرو بن الحمق الخزاعي ، ومحمَّد بن أبي ‏ بكر ، وميثم بن يحيى التمَّار ، مولى بني أسد ، وأُوَيس القرني‏ ) .

جهاده مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) :

شهد عمرو بن الحمق حروب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وساهم فيها بكلِّ صَلابَةٍ وثبات‏ ، وكان ولاؤه للإمام عظيماً ، حتى قال له ( عليه السلام ) :

( ليتَ أنَّ في جُندي مِائة مِثلك ) .

ففي وقعة صِفِّين قال عمرو بن الحمق لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) : إِنِّي والله يا أمير المؤمنين ، ما أجبتك ، ولا بايعتك على قرابة بيني وبينك ، ولا إرادة مال تؤتينيه ، ولا التماس سلطان يُرفَع ذكري به ، ولكن أحببتُك لِخِصال خمس :

1 – إنك ابن عم رسول ‏الله ( صلى الله عليه وآله ) .

2 – وأوّل من آمن به .

3 – وزوج سيِّدة نساء الأُمَّة فاطمة ( عليها السلام ) بنت محمد ( صلى الله عليه وآله ) .

4 – وأبو الذرّيّة التي بقيت فينا من رسول ‏الله ( صلى الله عليه وآله ) .

5 – وأعظم رجلٍ من المهاجرين سَهماً في الجهاد .

فلو أنِّي كُلِّفت نقل الجبال الرواسي ، ونزح البحور الطوامي ، حتى يأتي عليَّ يومي في أمر أقوِّي به وليَّك ، وأوهن به عدوَّك ، ما رأيت أني قد أديت فيه كل الذي يحقّ عليَّ من حقك .

فقال أمير المؤمنين : ( اللَّهُمَّ نَوِّر قلبَه بالتقى ، واهدِهِ إلى صراط مستقيم ) .

أجل ، كان عمرو مهتدياً ، عميق النظر ، وكان من بصيرته بحيث يرى نفسه فانياً في علي ( عليه السلام ) ، وكان يقول له بإيمانٍ ووعي : ليس لنا مَعَك رأي .

وكان عمرو صاحباً لحجر بن عدي ورفيق دربه ، وصيحاته المتعالية ضِدَّ ظُلم الأمويِّين‏ هي التي دفعت معاوية إلى تدبير مؤامرة قتله .

شهادته :

قُتِل ( رضوان الله عليه ) سنة ( 50 هـ ) ، بتدبير من معاوية ، بعد أن سَجَنوا زوجتَه بُغْية استسلامه‏ ، وأُرسِل برأسه إلى معاوية .

وهو ( رضوان الله عليه ) أوَّل رأس في الإسلام يُحمَل من بلد إلى بلد .


فضة ( رضوان الله عليها ) جارية الزهراء ( عليها السلام )

سيرتها :

كانت فِضَّة على درجة عالية من الإيمان والتقوى ، والزهد والورع .

وكانت مَحبَّتُها لأهل البيت ( عليهم السلام ) معروفة ومشهورة ، وأمّا بلاغتها وحسن منطقها فهو لا يخفى على الكثير .

كما أنّ مساعدتها للزهراء ( عليها السلام ) لم تكن مقتصرة على العمل اليومي في المنزل ، ولم يكن إسهامها في خدمة البيت فقط ، بل كانت التربية الفاطميَّة تنعكس على هذه التلميذة التي كانت ملازمة لمعلِّمتِها ( عليها السلام ) .

وعن ورقة بن عبد الله الأزدي قال : خرجتُ حاجّاً إلى بيت الله الحرام ، راجياً لثواب الله ربِّ العالمين .

فبينما أنا أطوف وإذا أنا بجارية سمراء مليحة الوجه ، عذبة الكلام ، وهي تنادي بفصاحة منطقها وتقول : ربَّ البيت الحرام ، والحفظة الكرام ، وزمزم والمقام ، والمشاعر العِظام ، وربَّ محمد ( صلى الله عليه وآله ) خير الأنام ، البررة الكرام ، أن تحشرني مع ساداتي الطاهرين ، وأبنائِهم الغرِّ المحجلين الميامين .

ثم قالت : ألا فاشهدوا يا جماعة الحُجَّاج والمعتمرين ، أنَّ مواليَّ خيرة الأخيار ، وصفوة الأبرار ، الذين عَلا قدرهم على الأقدار ، وارتفع ذكرهم في سائر الأمصار ، المرتدين بالفخار .

قال ورقة : فقلتُ : يا جارية ، إنِّي لأظنَّك من موالي أهل البيت ( عليهم السلام ) ؟

فقالت : أجل .

فقلت لها : ومَن أنتِ من مواليهم ؟

قالت : أنا فِضَّة ، أَمَةُ فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) بنت محمد المصطفى ( صلى الله عليه وآله ) .

فقلت لها : مرحباً بك ، وأهلاً وسهلاً ، فلقد كنتُ مشتاقاً إلى كلامكِ ومنطقكِ ، فأريدُ منكِ الساعة أن تجيبني عن مسألة أسألك .

فإذا أنت فرغتِ من الطواف قفي لي عند سوق الطعام حتى آتيك ، وأنت مثابة مأجورة .

فافترقنا في الطواف ، فلمّا فرغتُ من الطواف وأردتُ الرجوع إلى منزلي جعلتُ طريقي على سوق الطعام ، وإذا أنا بها جالسة في معزل عن الناس .

فأقبلتُ عليها واعتزلتُ بها ، وأهديتُ إليها هدية ،ولم أعتقد أنَّها صدقة ، ثم قلت لها : يا فِضَّة ، أخبريني عن مولاتك فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) ، وما الذي رأيتِ منها عند وفاتها ( عليها السلام ) بعد موت أبيها محمد ( صلى الله عليه وآله ) ؟

قال ورقة : فلمَّا سمعتْ كلامي تغرغرت عيناها بالدموع ، ثم انتحبت باكية ، وقالت : يا ورقة هيَّجت عليَّ حزناً ساكناً ، وأشجاناً في فؤادي كانت كامنة …

وفي الإصابة : روي عن الإمام الصادق عن آبائه ، عن علي ( عليهم السلام ) أنّه قال : ( إنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أخدم فاطمة ابنته ( عليها السلام ) جارية اسمها فِضَّة النوبيَّة ) .

وكانت تشاطرها الخدمة ، فعلَّمها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) دعاء تدعو به .

فقالت لها فاطمة : أتعجنين أو تخبزين ؟

فقالت : بل أعجن يا سيَّدتي واحتطب .

فذهبت واحتطبت وبيدها حزمة ، فأرادت حملها فعجزت ، فدعت بالدعاء الذي علَّمَها ( صلى الله عليه وآله ) .

وكان الدعاء هو : ( يَا واحدُ لَيس كَمِثلِهِ أَحَد ، تُميتَ كُلَّ أحدٍ وأنتَ على عَرشِكَ وَاحِد لا تَأخُذهُ سِنَةٌ وَلا نَوم ) .

فجاء أعرابي كأنّه من أزد شنوءة ، فحمل الحزمة إلى باب فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) .

ولاؤها لأهل البيت ( عليهم السلام ) :

وروي في سبب نزول قوله تعالى : ( يُوفُونَ بالنَّذرِ وَيَخَافُونَ يَوماً كَانَ شَرُّهُ مُستَطِيراً * وَيُطعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ) الإنسان : 7 – 8 .

أنّ الحسن والحسين ( عليهما السلام ) مَرِضَا ، فعادهما جدُّهُما ( صلى الله عليه وآله ) ، وعادَهُما جمع من المؤمنين .

فقالوا : يا أبا الحسن لو نذرت نذراً .

فقال ( عليه السلام ) : ( إن برئا ممَّا بهما صمتُ لله عزَّ وجلَّ ثلاثة أيام شكراً ) .

وقالت فاطمة كذلك ، وقالت جاريتهما فضة النوبيَّة : إن برأ سيّداي صمت لله عزَّ وجلَّ شكراً .

فلبس الغلامان العافية ، وليس عند آل محمد ( صلى الله عليه وآله )  قليل ولا كثير .

فانطلق علي ( عليه السلام ) إلى شمعون الخيبري ، فاستقرض منه ثلاثة أَصُعٍّ من شعير ، فجاء بهما فوضعها ، فقامت فاطمة ( عليها السلام ) إلى صَاعٍ فطحنتهُ واختبَزَتهُ .

وصلَّى علي ( عليه السلام ) مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ثم أتى المنزل فَوُضِعَ الطعام بَين يديه .

وفي تلك الحال أتاهم مسكين ، فوقف على الباب فقال : السلام عليكم أهل بيت محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، مسكين من أولاد المسلمين ، أطعموني أطعمكم الله عزَّ وجلَّ على موائد الجَنَّة .

فسمعه علي ( عليه السلام ) فأمرهم بإعطائه الطعام ، ومكثوا يومَهم وليلتهم لم يذوقوا إلاّ الماء .

فلمَّا كان اليوم الثاني قامت فاطمة ( عليها السلام ) إلى الصاع الثاني وخبزته .

وصلَّى علي ( عليه السلام ) مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ووُضِعَ الطعام بين يديه ( عليه السلام ) .

وفي تلك الحال أتاهم يتيم فوقف بالباب وقال : السلام عليكم أهل بيت محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، يتيم بالباب من أولاد المهاجرين ، استُشهِدَ والدي ، أطعموني .

فأعطوه الطعام ( عليهم السلام ) فمكثوا يومين ولم يذوقوا إلاّ الماء .

فلما كان اليوم الثالث قامت فاطمة ( عليها السلام ) إلى الصاع الباقي فطحنته واختبزته .

وصلَّى علي ( عليه السلام ) مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وُوضع الطعام بين يديه ( عليه السلام ) .

وفي تلك الحال أتاهم أسير فوقف بالباب وقال : السلام عليكم أهل بيت النبوة ، تُأسِّرُونَنَا وتشدُّونَنَا ولا تُطعِمُونَنَا ، أطعموني فإني أسير .

فأعطوه ( عليهم السلام ) الطعام ، ومكثوا ثلاثة أيام ولياليها لم يذوقوا إلاّ الماء .

فأتاهم الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ورأى ما بهم من الجوع ، فأنزل الله تعالى قوله : ( هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ منَ الدَّهرِ لَمْ يَكُن شَيئاً مَذْكُوراً … لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً ) الإنسان : 1 – 9 .

من فضائلها :

قال أبوالقاسم القسري : انقطعت في البادية عن القافلة فوجدت امرأة ، فقلت : من أنت ؟ فقالت : ( وقل سلام فسوف تعلمون ) .

فسلّمت عليها وقلت : ما تصنعين ها هنا ؟ قالت : ( من يهدي الله فلا مضلّ له ) .

فقلت : أمن الجن أنت أم من الإنس ؟ قالت : ( يا بني آدم خذوا زينتكم ) .

فقلت : من أين أقبلت ؟ فقالت : ( ينادون من مكان بعيد ) .

قلت : أين تقصدين ؟ قالت : ( ولله على الناس حجّ البيت ) .

فقلت : متى انقطعت ؟ قالت : ( ولقد خلقنا السماوات والأرض في ستّة أيّام ) .

فقلت : أتشتهين طعاماً ؟ فقالت : ( وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام ) .

فأطعمتها ثمّ قلت : هرولي وتعجّلي ، فقالت : ( لا يكلّف الله نفساً إلاّ وسعها ) .

فقلت : أردفك ؟ فقالت : ( لو كان فيهما آلهة إلاّ الله لفسدتا ) .

فنزلت فأركبتها ، فقالت : ( سبحان الذي سخّر لنا هذا وما كنّا له بمقرنين ) .

فلمّا أدركنا القافلة قلت : ألك أحد فيها ؟ قالت : ( يا داود إنّا جعلناك خليفة في الأرض ) ، ( وما محمّد إلاّ رسول ) ، ( يا يحيى خذ الكتاب ) ، ( يا موسى لا تخف ) .

فصحت بهذه الأسماء فإذا أنا بأربعة شباب متوجّهين نحوها ، فقلت : من هؤلاء منك ؟ قالت : ( المال والبنون زينة الحياة الدنيا ) .

فلمّا أتوها قالت : ( يا أبت استأجره إنّ خير من استأجرت القويّ الأمين ) .

فكافوني بأشياء فقالت : ( والله يضاعف لمن يشاء ) فزادوا لي ، فسألتهم عنها ، فقالوا : هذه اُمّنا فضة جارية الزهراء ( عليها السلام ) ، ما تكلّمت منذ عشرين سنة إلاّ بالقرآن .


الفضل بن شاذان النيشابوري ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

الفضل بن شاذان بن الخليل الأزدي النيشابوري ، كنيته أبو محمَّد .

ولادته :

 ولد في أواخر القرن الثاني الهجري .

مكانته العلمية :

كان من أصحاب الإمامين علي الهادي والحسن العسكري ( عليهما السلام ) ، يُعدُّ من شيوخ الشيعة الإمامية المشهورين في علوم الفقه والقرآن وغيرهما .

كان من علماء الكلام المعروفين في ذلك الوقت ، الذي كانت فيه نزعات المُرجِئة ، والحشوية ، والقرامطة ، والغلاة ، تحتل الصدارة في تفكير المجتمع .

وكان من نتيجة ذلك أن درس الفضل هذه المذاهب والآراء ، وحاكم تلك الأفكار والاتجاهات ، فكانت معظم كتبه تبحث في هذه المواضيع دراسة وردّاً ونقداً .

ما قيل فيه :

قال الإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ) :

( أغبط أهل خراسان بمكان الفضل بن شاذان ، وكونه بين أظهركم ) .

وقال النجاشي ( قدس سره ) : أحد أصحابنا الفقهاء والمتكلّمين ، وله جلالة في هذه الطائفة ، وهو في قَدَرِه أشهر من أن نصفه .

وقال العلامة الحلي ( قدس سره ) : كان ثقة ، جليلاً ، فقيهاً ، متكلّماً ، له عظم شأن في هذه الطائفة .

مؤلفاته :

يُعتبر من أكثر العلماء إنتاجاً وتأليفاً ، فقد أحصى له مترجموه مِائة وثمانين كتاباً ، نذكر منها :

1 – كتاب النقض على الإسكافي في تقوية الجسم .

2 – كتاب ( العروس ) ، وهو كتاب العين .

3 – كتاب ( الوعيد ) .

4 – كتاب ( الرد على أهل التعطيل ) .

5 – كتاب ( الاستطاعة ) .

6 – كتاب ( مسائل في العلم ) .

7 – كتاب ( الأعراض والجواهر ) .

8 – كتاب ( العلل ) .

9 – كتاب ( الأيمان ) .

وفاته :

توفي ( رضوان الله عليه ) سنة ( 360 هـ ) ، ودفن في مدينة نيشابور .


قنبر ( رضوان الله عليه ) خادم أمير المؤمنين ( عليه السلام )

اسمه ونسبه :

قَنْبَرْ بن حمدان ، كنيته ( أبو همدان ) ،  مولى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وكان قنبر مجهولاً من حيث حسبه ونسبه ، ولكنه اشتهر بين الناس من حيث مواقفه مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ضد أعداء أهل البيت ( عليهم السلام ) .

منزلته :

كان قنبر عند الناس مجرد خادم لعلي ، ولكن عند من كان يعرف قيمة أهل البيت ( عليهم السلام ) كان قنبر مولاً للحق ، ويتغذَّى من مناهله .

حيث رَبَّاه علي ( عليه السلام ) الذي قال فيه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) :

( أنَا مَدينةُ العلمِ وعَلي بَابُها ) .

فدخل قنبر مدينة العلم من بابها ، وتربَّى عند أكرم الخلق عند الله بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) .

أصبح قنبر من المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، لذلك قال فيه الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( كانَ قنبرٌ غُلامَ عَليٍّ ، يُحب علياً حُباً شَديداً ) .

روي أنه في ليلة من الليالي خرج الإمام علي ( عليه السلام ) ، فخرج قنبر على أثره ، فرآه الإمام فقال له ( عليه السلام ) : ( مَا لَكَ يا قنبر ؟ ) .

فقال : جئتُ لأمشي خلفك .

فقال ( عليه السلام ) :

( وَيحك !! أمِنْ أهلِ السماء تحرُسني أم من أهل الأرض ؟ ) .

فقال قنبر : لا ، بل من أهل الأرض .

فقال ( عليه السلام ) : ( إنَّ أهلَ الأرضِ لا يستطيعونَ شيئاً إلا بإذن الله ) .

نعم هكذا كان الإمام يُربِّي قنبر ، الذي كان يتبعه اتِّباع الفصيل إثر أمّه ، كما هي العادة عند من أخلص الولاء لأهل البيت ( عليهم السلام ) .

كان ملازماً للإمام علي ( عليه السلام ) منفِّذاً لأوامره ، وذُكر أنَّه كان من السابقين الذين عرفوا حَقَّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وثبتوا على الذَّودِ عن حقِّ الولاية .

وقال الشيخ محمَّد حرز الدين : ( كان قنبر رجلاً عابداً ، ورعاً ، عارفاً ، متكلّماً ، لَسِناً ، تولَّى خدمة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وكان يُحبُّه حُبّاً شديداً ) .

تولَّى بيت المال في الكوفة في خلافة الإمام علي ( عليه السلام ) ، وَوَقف إلى جانبه في الملمّات ، فشاركه حرب صفين .

دفع إليه الإمام ( عليه السلام ) لواءً يوم صِفِّين ، في قِبَال غُلام عَمرو بن العاص ، الذي كان قد رفع لواءً .

شهادته :

استدعاه الحَجَّاج وأمر بقتله ( رضوان الله عليه ) ، بسبب وفائه وعشقه الصادق الخالص للإمام علي ( عليه السلام ) .

وكان ( رضوان الله عليه ) عند استشهاده يتلو آيةً من القرآن الكريم ، أخزى بها الحَجَّاج وأضرابه ‏.


قيس بن سعد الأنصاري ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

قيس بن سعد بن عبادة بن دُليم بن يعرب بن قحطان ، وأصله من اليمن ، ومنشأه في بيت عز وشرف ، فأبوه سعد بن عُبادة الأنصاري زعيم الخزرج .

ولادته :

لم تذكر المصادر التاريخية تاريخاً محدداً لولادته ، إلا أن هناك قرائن عديدة من خلال الأحداث تخمن أن عمره عند هجرة النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان ستة عشرة عاماً .

وبالتقريب تكون ولادته بين ( 10 – 15 ) قبل الهجرة النبوية المباركة ، أو ما يقارب ذلك .

صفاته وخصائصه :

عُرف قيس بن سعد بتقواه وتديُّنه ، وكان ذلك ظاهراً في أقواله وأفعاله .

وعُرف كذلك بجوده ، بل اشتهر ذلك فيه حتى كتب الواقدي أنه : كان من كرام أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأسخيائهم .

وقال فيه الذهبي : جودُ قيسٍ يُضرب به المَثل .

ونقف هنا على صورة من سخائه ينقلها لنا أكثر من مؤرخ :

إن امرأة وقفت على قيس بن سعد ، فقالت له : أشكو إليك قلة الجرذان ( كناية عن الفقر وخلو البيت من الزاد ) ، فقال : ما أحسن هذه الكناية ! ، املأوا لها بيتها خبزاً ولحماً وسمناً وتمراً .

وفي رواية ابن عبد البَرِّ في ( الاستيعاب ) قال قيس لها :

ما أحسن ما سألت ! ، أما والله لأكثرن جرذان بيتك . فملأ بيتها طعاماً ووَدَكاً وإداماً .

وإلى السخاء كان قيس بن سعد يجمع فضائل أخرى من مكارم الأخلاق ومحاسنها ، نترك للمؤرخين ومدوِّني السير تقرير ذلك ووصفه .

يقول أبو عُمر : كان قيس أحد الفضلاء الجُلَّة ، وأحد دُهاة العرب وأهل الرأي والمكيدة في الحروب ، مع النجدة والبسالة والسخاء والكرم .

فكان شريف قومه غير مُدافَع ، هو وأبوه وجده .

ويقول المبرَّد : كان قيس بن سعد شجاعاً جواداً سيداً .

ويضيف ابن كثير : كان سيداً مطاعاً ، ومُمدَّحاً شجاعاً ، وكانت له صُحفة يُدار بها حيث دار – والصحفة هي الإناء الذي يوضع فيه الطعام وهو يشبه الكوب – .

وجمع الخطيب البغدادي لقيس الشجاعة مع البطولة ، والسخاء مع الكرم ، فيما نسب له الزركلي التفوق ، فقال فيه : هو أحد الأجواد المشهورين ، وكان شريف قومه ومن بيت سيادتهم .

وأما ذكاؤه وبصيرته ، وحزمه وحنكته ، فقد كان عليها اتفاق المؤرخين وإطباقهم .

وكان من عجائب ذلك أن يقول لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) مبيناً خلال كلامه ما يدور في نفس معاوية :

يا أمير المؤمنين ، ما على الأرض أحد أحب إلينا أن يُقم فينا منك ، لأنك نجمنا الذي نهتدي به ، ومفزعنا الذي نصير إليه ، ولكن والله لو خليتَ معاوية للمكر لَيرومَنَّ مصر ، ولَيُفسدنَّ اليمن ، وليطمعنَّ في العراق ، ومعه قوم يمانيُّون قد أُشربوا قتل عثمان ، وقد اكتفوا بالظن عن العلم ، وبالشك عن اليقين ، وبالهوى عن الخير ، فسِر بأهل الحجاز وأهل العراق ، ثم ارمِهِ بأمر يضيق فيه خِناقُه ، ويقصر له من نفسه .

فقال ( عليه السلام ) : أحسنت والله يا قيس وأجملت .

وبالإضافة لما تقدم كان قيس صاحب ملكات أدبية وشعرية ، إذ كانت خُطَبُهُ صواعق تسقط على رؤوس الجبابرة ، وكانت قصائده الشعرية تدفع رؤوس النفاق والخذلان .

مواقفه :

عاصر قيس بن سعد بن عبادة أحداثاً حساسة ، بدءاً بالعصر الجاهلي ، ومروراً بانبثاق الإسلام .

ثم ما جرى بعد رحيل رسول الرحمة ( صلى الله عليه وآله ) من الوقائع الخطيرة حتى مقتل عثمان ، وخلافة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وشهادته .

ثم مبايعة المسلمين للإمام الحسن ( عليه السلام ) ، وتخاذلهم فيما بعد ، إلا قليل منهم .

وسنتكلم عن مواقفه في كل دور من تلك الأدوار ، وحسب تسلسلها :

أولاً : في عهد النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان خادماً له عشر سنين ، وشاهداً معه حروبه ومشاهده كلها ، فكان ناصر الإسلام وحاميه ، وسيَّافاً بمنزلة صاحب القوات الداخلية .

وكان حامل راية الأنصار ، وصاحب لواء النبي ( صلى الله عليه وآله ) في بعض مغازيه .

فكان أميراً على سريَّة ( الخَبط ) ، حاملاً للراية يوم الفتح بعد أن تسلَّمَها من أبيه .

ثانياً : كانت له مواقفه الحازمة بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، فثبت على ما أوصى به في الخلافة والإمامة ، وحمى أباه من الغدر به ، وشهد فتح مصر عام ( 19 ) من الهجرة ، وكان من الثائرين على الانحراف .

ثالثاً : بادر إلى بيعة الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) في الأوائل ، وصار أحد عمَّاله في الأمصار ، ووالياً على مصر .

وقد أخذ البيعة من أهلها للإمام علي ( عليه السلام ) ، فإذا كانت معركة الجمل بادر إلى تأييد إمامه والسير معه ، وقد ساهم في تحشيد أهل الكوفة لقتال الناكثين مع الإمام الحسن ( عليه السلام ) والصحابي عمَّار بن ياسر ( رضوان الله عليه ) ، ثم شارك في المعركة بأثرٍ مشهود .

أما في صفين فكان قيس بن سعد على مقدمة جيش الإمام علي ( عليه السلام ) بعد أن كان في أوائل الخطباء المناصرين له ( عليه السلام ) ، بعد أن التحق به من ( آذربيجان ) .

وقد شهدت له ساحة القتال وقعات ، وفيها جعله الإمام علي ( عليه السلام ) على رجَّالة أهل البصرة ، وقاتل بُسرِ بن أرطاة ، فضربه حتى أثخنه بالجراح .

وتقدم في الأنصار وربيعة بعد استشهاد عمار ( رضوان الله عليه ) ، فخلط الجمع ، ودوَّى بخطبه .

وصار على شرطة الخميس فورد تُخومَ الشام حتى أقلق معاوية الذي جعل يلعنه فيمن يلعن من أهل بيت النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأصحابهم

ولما أراد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) العودة إلى صفين عقد لقيس بن سعد في عشرة آلاف .

وفي النهروان كان قيس مرسَلاً إلى أهلها بأمر إمامه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فحاججهم .

فإذا كانت الاستعداد ، عبَّأَ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أصحابه ، فجعل قيس بين سعد في ثمانمائة ، فقاتل وأبلى .

رابعاً : وبعد شهادة الإمام علي ( عليه السلام ) بادر قيس إلى مبايعة الإمام الحسن (عليه السلام) .

وحين سار معاوية بجيشه إلى العراق قام قيس وجماعة من المخلصين يؤيدون إمامهم الحسن المجتبى ( عليه السلام ) ، ويحرضون الناس على الجهاد ، فشهد لهم ( عليه السلام ) بالوفاء ، وصدق النية ، والمودَّة الصحيحة .

وتوجه مع عبيد الله بن العباس في اثني عشر ألفاً لقتال معاوية ، فلما هرب عبيد الله نَحَو صفوف معاوية بعد أن أرسل إليه مبلغاً من المال ، وصلَّى قيس مكانه فسدَّ بذلك خللاً كاد يقع .

ثم اشتبك مع جيش معاوية واكتسحه ، فإذا به يسمع بأن الإمام الحسن ( عليه السلام ) قد طُعِن ، فاغتمَّ لذلك وتأسف لتفرق الأصحاب ، ثم زحف نحو جيوش الشام .

وقد وجه له معاوية يبذل له ألف ألف درهم على أن ينحاز إليه ، فأرجعَ قيس إليه المال قائلاً له : تخدعني عن ديني ؟!

فترك هذا الموقف وغيره من المواقف آثاره على نفس معاوية ، حتى استثنى قيسَ بن سعد من الشيعة في الأمان بعد صلحه مع الإمام الحسن ( عليه السلام ) لشدة حقده عليه .

وفاته :

توفي قيس بن سعد ( رضوان الله عليه ) سنة 60 هـ .


كُميل بن زياد النخعي ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

كميل بن زياد النخعي الكوفي .

ولادته :

 وُلد باليمن في السنة السابعة قبل الهجرة .

إسلامه :

أسلم صغيراً ، وأدرك النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وقيل أنه لم يره .

أخباره :

 ارتحلَ مع قبيلته إلى الكوفة في بدء انتشار الإسلام ، وكان من سادات قومه ، وله مكانة ومنزلة عظيمة عندهم .

ابتدأ ظهوره على الساحة الإسلامية في عهد عثمان ، إذ كان أحد أعضاء الوفد القادم من الكوفة للاحتجاج على تصرّفات والي الكوفة عند عثمان .

منزلته :

قال الذهبي : كان شريفاً ، مُطاعاً ، ثِقة ، عابداً .

وقال صاحب مراقد المعارف : كان كُميل ( رضوان الله عليه ) عالماً ، متثبِّتاً في دينه ، وكان عابداً زاهداً ، لا تفتر شفتاه عن تلاوة القرآن الكريم ، وذكر الله العظيم .

وقال السيد الخوئي : جلالة كُميل ، واختصاصه بأمير المؤمنين ، من الواضحات التي لم يَدخلها رَيب .

مواقفه :

وقفَ مع مالك الأشتر وجماعة من أهل الكوفة بوجه سعيد بن العاص والي الكوفة ، يستنكرون عليه قوله : إنَّ السوادَ بستان قريش .

كان من الذين نَفَاهُم والي الكوفة سعيد بن العاص منها إلى الشام بأمر عثمان ، ومن الشام أعيدوا إلى الكوفة ، ومنها نُفُوا إلى حمص ، ثم عادوا إلى الكوفة ، بعد خروج واليها منها .

دخل كُميل بن زياد ومن كان معه بقيادة مالك الأشتر إلى قصر الإمارة فور عودتهم ، وأخرجوا ثابت بن قيس خليفة الوالي عليه ، واستطاع أهل الكوفة على أثر ذلك منع سعيد بن العاص والي الكوفة من العودة إليها .

بايع الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) بعد مَقتل عثمان ، وأخلص في البيعة ، وكان من ثقاته .

فلازمه وأخذ العلم منه ، واختصَّه بدعاء من أعظم الأدعية وأسماها ، وهو الدعاء المعروف اليوم بـ( دعاء كميل ) ، لهذا قال عنه علماء الرجال ، إنه حامل سِرّ الإمام علي ( عليه السلام ) .

كما اشترك مع الإمام علي ( عليه السلام ) في صِفِّين ، وكان شريفاً مُطَاعاً في قومه .

ونصَّبه الإمام علي ( عليه السلام ) عاملاً على بيت المال مُدَّة من الزمن ، وعيَّنه والياً على ( هيت ) ، فتصدَّى لِمُحَاولات معاوية التي كانت تهدف إلى السيطرة على المناطق التي كانت تحت سُلطة الإمام علي ( عليه السلام ) .

وبايع الإمام الحسن ( عليه السلام ) بعد استشهاد الإمام علي ( عليه السلام ) .

شهادته :

بعد تولِّي الحَجَّاج ولاية العراق من قبل مروان بن الحكم ، جَدَّ في طلبه سعياً إلى قتله ، فأخفى كُميل ( رضوان الله عليه ) نفسه عن الحَجَّاج فترة من الزمن .

إلاَّ أن الحَجَّاج قطع العطاء من قبيلة كميل ، وقد كانت بأمَسِّ الحاجة إليه ، ممَّا اضطرَّ كُميلاً لتسليم نفسه إلى الحجاج ، وقال ( رضوان الله عليه ) : أنا شيخ كبير ، قد نَفَدَ عمري ، لا ينبغي أن أحرم قومي عطاءهم .

فضرَب الحجاج عنقه ، ودُفن ( رضوان الله عليه ) في ظهر الكوفة ، في منطقة تدعى الثوية ، وكان ذلك في عام ( 82 هـ ) .


مالك بن نويرة ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

اسمه مالك بن نويرة بن جَمرة بن شدّاد بن عبيد بن ثَعلبة بن يربوع التميمي اليربوعي .

إسلامه :

أدرك الإسلام وأسلم وولاه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) صدقات قومه
( بني يربوع ) .

سيرته :

كان مالك بن نويرة من كبار بني تميم وبني يربوع ، وصاحب شرف رفيع وأريحية عالية بين العرب ، حتى ضرب به المثل في الشجاعة والكرم والمبادرة إلى إسداء المعروف والأخذ بالملهوف .

وكانت له الكلمة النافذة في قبيلته ، حتى أنه لما أسلم ورجع إلى قبيلته وأخبرهم بإسلامه ، وأعطاهم فكرة عن جوهر هذا الدين الجديد ، أسلموا على يديه جميعاً ولم يتخلف منهم رجل واحد .

وكان هذا الصحابي الجليل قد نال منزلة رفيعة لدى النبي ( صلى الله عليه وآله ) حتى نصبه وكيلاً عنه في قبض زكاة قومه كلها ، وتقسيمها على الفقراء ، وهذا دليل وثقاته واحتياطه وورعه .

موقفه من بيعة أبي بكر :

اختص مالك بأمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وأخلص له نهاية الإخلاص ، حتى أنه ما بايع أبا بكر ، وأنكر عليه أشد الإنكار ، وعاتبه بقوله له:

أربِع على ضلعك ، والزم قعر بيتك ، واستغفر لذنبك ، وردّ الحق إلى أهله ، أما تستحي أن تقوم في مقام أقام الله ورسوله فيه غيرك ، وما تزال يوم الغدير حجة ، ولا معذرة [ تنقيح المقال : 2/50 ] .

وامتنع مالك عن بيعة أبي بكر وعن دفع الزكاة إليه ، وقام بإعادة الأموال إلى أصحابها من قومه ، وقال لهم شعراً :

فقلت خذوا أموالك غير خائف ولا ناظر ماذا يجئ مع الغد

فإن قام بالدين المحوق قائم أطعنا وقلنا الدين دين محمد

قصة مقتله ( رضوان الله عليه ) :

أرسل أبو بكر – في بداية خلافته – خالد بن الوليد لمحاربة المرتدين ، ولما فرغ خالد من حروب الردَّة سار نحو البطاح ، وهي منزل لمالك بن نويرة وقبيلته.

وكان ملك قد فرق أفراد عشيرته ، ونهاهم عن الاجتماع ، فعندما دخلها خالد لم يجد فيها أحداً ، فأمر خالد ببث السرايا ، وأمرهم بإعلان الأذان وهو رمز الإسلام ، وإلقاء القبض على كل من لم يجب داعي الإسلام ، وأن يقتلوا كل مَن يمتنع حسب وصية أبي بكر .

فلما دخلت سرايا خالد قوم مالك بن نويرة في ظلام الليل إرتاع القوم ، فأخذوا أسلحتهم للدفاع عن أنفسهم ، فقالوا : إنا لمسلمون ، فقال قوم مالك : ونحن لمسلمون ، فقالوا : فما بال السلاح معكم ؟ ، فقال قوم مالك : فما بال السلاح معكم أنتم ؟! ، فقالوا : فإن كنتم مسلمين كما تقولون فضعوا السلاح ، فوضع قوم مالك السلاح ، ثم صلى الطرفان ، فلما انتهت الصلاة قام جماعة خالد بمباغتة أصحاب مالك ، فكتفوهم بما فيهم مالك بن نويرة ، وأخذوهم إلى خالد بن الوليد .

وتبريراً لما سيقدم عليه خالد ادعى أن مالك بن نويرة إرتدَّ عن الإسلام ، فأنكر مالك ذلك وقال : أنا على دين الإسلام ما غيَّرت ولا بدَّلت .

وشهد له بذلك اثنان من جماعة خالد وهما : أبو عتادة الأنصاري ، وعبد الله بن عمر ، ولكن خالد لم يُلق إذناً صاغية ، لا لكلام مالك ولا للشهادة التي قيلت بحقه .

فأمر بضرب عنق مالك وأعناق أصحابه ، وقبض على أم تميم (زوجة مالك) ودخل بها في نفس الليلة التي قتل فيها زوجها مالك بن نويرة (رضوان الله عليه).


مالك الأشتر ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

هو مالك بن الحارث بن عبد يَغوث بن سَلِمة بن ربيعة .. بن يَعرُب بن قحطان .

ولُقِّب بـ ( الأشتر ) لأن إحدى عينيه شُتِرَت – أي شُقّت – في معركة اليرموك .

ولادته :

لم تذكر لنا المصادر التاريخية تاريخاً محدِّداً لولادته ، ولكن توجد قرائن تاريخية نستطيع من خلالها معرفة ولادته على وجهٍ تقريبيٍّ تخمينيٍّ .

فقد قُدِّرت ولادته بين سنة ( 25-30 ) قبل الهجرة النبوية الشريفة .

مواقفه :

عاصر مالك الأشتر النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ولكنه لم يره ولم يسمع حديثه ، وذكر عند النبي ( صلى الله عليه وآله ) فقال فيه النبي ( صلى الله عليه وآله ) : إنه المؤمن حقاً ، وهذه شهادة تعدل شهادة الدنيا بأسرها .

كما عُدَّ مالك من بين المجاهدين الذين أبلَوا بلاءً حسناً في حروب الردَّة .

كما أنه ذُكر في جملة المحاربين الشُّجعان الذين خاضوا معركة اليرموك ، وهي المعركة التي دارت بين المسلمين والروم سنة ( 13 هـ ) .

وثمَّة إشارات تدل على أن مالكاً كان قبل اليرموك يشارك في فتوح الشام ، ويدافع عن مبادئ الإسلام وقيمه السامية ، ويدفع عن كيان الإسلام وثغور المسلمين شرور الكفار .

وحين دَبَّ الخلاف والاختلاف بين المسلمين في زمن عثمان ، بسبب مخالفة البعض لتعاليم القرآن الكريم وسنة النبي الأمين ( صلى الله عليه وآله ) لم يَسَع الأشترَ السكوتُ .

فجاهد في سبيل الله بلسانه عندما رأى عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل قد كُسر ضلعه ، وأُخرج بالضرب من المسجد النبوي .

ونال عمّارُ بن ياسر من العنف والضرب ما ناله ، وهو الصحابي الشهم المخلص المضحي .

ولقي أبو ذرّ ما لقي من النفي والتشريد ، وقطع عطائه والتوهين بكرامته ، وهو الذي مُدح مدحاً جليلاً على لسان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .

ولاؤه لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) :

وفي خلافة الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وحكومته ، كانت مواقف الأشتر واضحةً جَليَّة المعالم .

فهذا العملاق الشجاع أصبح جُندياً مخلصاً لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فلم يفارق الإمام ( عليه السلام ) قطٌّ ، كما كان من قَبلِ تَسَلُّمِ الإمامِ لخلافَتِهِ الظاهرية .

فلم يَرِد ولم يصدُر إلا عن أمر الإمام علي ( عليه السلام ) حتى جاء المدح الجليل على لسان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فكان أن كتب ( عليه السلام ) في عهده له إلى أهل مصر ، حين جعله والياً على هذا الإقليم :

أما بعد ، فقد بَعثتُ إليكم عبداً من عباد الله ، لا ينام أيّامَ الخوف ، ولا يَنكُل عن الأعداء ساعاتِ الرَّوع ، أشدُّ على الفُجار من حريق النار ، وهو مالك بن الحارث أخو مَذْحِج .

ولهذا القول الشريف مصاديق مشرقة ، فقد كان لمالك الأشتر هذه المواقف والأدوار الفريدة :

أولاً : قيل :

أنه أول مَن بايَعَ الإمامَ علياً ( عليه السلام ) على خلافته الحقة ، وطالب المُحجِمين عن البيعة بأن يقدموا ضمانة على أن لا يُحدِثوا فِتَناً ، لكن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أمره بتركهم ورأيَهُم .

ثانياً :

زَوَّد أميرَ المؤمنين ( عليه السلام ) بالمقاتلين والإمدادات من المحاربين في معركة الجمل الحاسمة ، مستثمراً زعامته على قبيلة مِذحج خاصة ، والنَّخَع عامة ، فحشَّد منهم قواتٍ مهمة .

فيما وقف على ميمنة الإمام ( عليه السلام ) في تلك المعركة يفديه ويُجندِل الصَّناديد ، ويكثر القتل في أصحاب الفتنة ، والخارجين على طاعة إمام زمانهم .

ثالثاً :

وفي مقدمات معركة صفين عمل مالك الأشتر على إنشاء جسر على نهر الفرات ليعبر عليه جيش الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) فيقاتل جيش الشِّقاق والانشقاق بقيادة معاوية بن أبي سفيان .

وكان له بَلاء حَسَن يوم السابع من صفر عام ( 37 هـ ) حين أوقع الهزيمة في جيش معاوية .

ولمّا رفع أهل الشام المصاحف ، يخدعون بذلك أهل العراق ، ويستدركون انكسارهم وهلاكهم المحتوم ، انخدع الكثير ، بَيْد أن مالكاً لم ينخدع ولم يتراجع حتى اضطَرَّهُ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى الرجوع .

كما اضطُرَّ إلى قبول صحيفة التحكيم – وكان لها رافضاً – خضوعاً إلى رضى إمامه
( عليه السلام ) .

شعره وأدبه :

لما كان مالك الأشتر صاحب تلك المواقف الشامخة حاول بعضهم أن يهملوا شعره ويطمسوه ، لكنهم لم يفلحوا في إطفاء الشمس .

ومن خصائص شعر مالك أن الغالب عليه غرضُ الحماسة والبطولة ، وهو انعكاس للصراع الخطير والمرحلة التاريخية الحساسة التي كان يمر بها الإسلام .

وقد جادت به قريحته النابضة الحَيَّة فيه ، ولعل الشعر البُطُولِيِّ هو الغالب العام في قصائده ، بما يمتاز به من سلاسة وروعة .

نذكر هذين البيتين كنموذج قالهما لعمرو بن العاص في صفين :

يا ليت شعري كيف لي بعمرو

ذاك الذي أجبت فيه نذري

ذاك الذي أطلبه بوتري

ذلك الذي فيه شفاء صدري

وإلى موهبته الشاعرية الهادفة كان الأشتر ذا قوة خطابيّة فائقة ، مشفوعة بحُجَّةٍ
واضحة ، وقدرة نادرة على تقديم البراهين المقنعة والأجوبة المُفحِمة .

وكان من خطبه في أحد أيام صفين قوله :

( الحمد لله الذي جعلَ فينا ابنَ عمِّ نبيِّه ، أقدَمُهُم هجرة ، وأوّلُهم إسلاما ، سيفٌ من سيوف الله صَبَّه على أعدائه ، فانظروا إذا حمِيَ الوَطيسُ ، وثار القَتام ، وتكسَّر المُرَّان ، وجالَت الخيلُ بالأبطال ، فلا أسمع إلا غَمغمةً أو همهمة ، فاتَّبِعوني وكوني في أثري ) .

شهادته :

وبعد حياة حافلة بالعز والجهاد ، وتاريخ مشرق في نصرة الإسلام والنبوة والإمامة ، يكتب الله تعالى لهذا المؤمن الكبير خاتمةً مشرِّفة ، هي الشهادة على يد أرذل الخَلْق .

فكان لأعداء الله طمع في مصر ، لقربها من الشام ولكثرة خراجها ، ولتمايل أهلها إلى أهل البيت ( عليهم السلام ) وكراهتهم لأعدائهم .

فبادر معاوية بإرسال الجيوش إليها ، وعلى رأسها عمرو بن العاص ، ومعاوية بن حديج ليحتلَّها .

فكان من الخليفة الشرعي الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) أن أرسل مالكَ الأشتر ( رضوان الله عليه ) والياً له على مصر .

فاحتال معاوية في قتله ( رضوان الله عليه ) داسّاً إليه سُمّاً بواسطة الجايستار – وهو رجل من أهل الخراج – .

وقيل : كان دهقان القُلْزُم ، وكان معاوية قد وعد هذا ألا يأخذ منه الخراج طيلة حياته إن نفذ مهمته الخبيثة تلك .

فسقاه السم وهو في الطريق إلى مصر ، فقضى مالك الأشتر ( رضوان الله عليه ) شهيداً عام ( 38 هـ ) .


 محمد بن أبي بكر ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

محمّد بن أبي ‏بكر بن أبي‏ قُحَافة ، وأمّه أسماء بنت عُمَيس .

ولادته ونشأته :

وُلد في حجّة الوداع سنة ( 10 هـ ) بذي الحُلَيفة ، في وقت كان رسول ‏الله ( صلى الله عليه وآله ) قد تهيّأ مع جميع أصحابه لأداء حجَّة الوداع .

ونشأ محمّد بن أبي بكر في حِجر الإمام علي ( عليه السلام ) إلى جانب الحسن والحسين ( عليهما السلام ) ، وامتزجت روحه بهما ، وكان الإمام ( عليه السلام ) يعتبره مثل أبناءه حيث يقول فيه : ( محمّد ابني من صُلب أبي ‏بكر ) .

جوانب من حياته :

كانت أمّه أسماء بنت عُمَيس قد تزوّجت جعفر بن أبي‏ طالب ، وهاجرت معه إلى الحبشة ، وبعد استشهاد جعفر تزوَّجها أبو بكر ، وبعد موته تزوّجها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فانتقلت إلى بيته مع أولادها ، وفيهم محمّد الذي كان يومئذ ابن ثلاث سنين .

وكان محمّد في مصر أيّام حكومة عثمان ، وبدأ فيها تعنيفه وانتقاده له ، واشترك في الثورة عليه ، وبعد تَصدِّي الإمام علي ( عليه السلام ) للخلافة ، صار من أنصاره .

وهو الذي حمل كتابه إلى أهل الكوفة قبل نشوب حرب الجمل ، وكان على الرجَّالة فيها .

وبعد انتهاء المعركة بانتصار الإمام ( عليه السلام ) على أهل الجمل تولَّى متابعة الشؤون المتعلِّقة بعائشة ، وأعادها إلى المدينة .

منزلته :

كان محمّد مُجِدّاً في الجهاد والعبادة ، ولِجِدِّه في عبادته سُمِّي عابد قريش ، وهو جدُّ الإمام الصادق ( عليه السلام ) من الأمَّهات‏ .

ولاَّه الإمام علي ( عليه السلام ) على مصر سنة ( 36 هـ ) بعد عزل قيس بن سعد عنها ، وكان الإمام ( عليه السلام ) يُثني عليه ، ويذكره بخير في مناسبات مختلفة .

شهادته :

بعد تخاذل أصحاب الإمام علي ( عليه السلام ) تخلخل الوضع السياسي في مصر ، وكادت الأمور تفلت من يد محمّد بن أبي بكر ( رضوان الله عليه ) .

فانتهز معاوية الفرصة ، وأرسل جيشاً جرّاراً لاحتلال مصر ، وتمَّ له ذلك ـ بعد استشهاد محمّد بن أبي بكر ( رضوان الله عليه ) في اليوم الرابع عشر من شهر صفر عام 38 هـ ـ على يد ابن حُدَيج الكندي .

ولما سمع الإمام ( عليه السلام ) بخبر استشهاده ( رضوان الله عليه ) تأثَّر عليه كثيراً ، وقال ( عليه السلام ) فيه : ( لقد كان إليَّ حبيباً ، وكان لي رَبيباً ، فعند الله نحتسبه ولداً ناصحاً ، وعاملاً كادحاً ، وسيفاً قاطعاً ، وركناً دافعاً ) .


محمد بن أبي عمير ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

محمد بن زياد ، وكنيته أبو أحمد الأزدي ، إلا أنه أكثر ما يُعرف بكنية أبيه ، حيث اشتهر بابن أبي عمير ، وهو من أصحاب : الإمام الكاظم والإمام الرضا والإمام الجواد ( عليهم السلام ) .

أساتذته :

من مشايخه وأساتذته أعلام :  كأبي بصير ، وأبان بن عثمان ، وجميل بن دراج .

سيرته :

كان ابن أبي عمير موضع ثقة كل من الشيعة والسنة ، ومن أصحاب الإجماع ، وأحد الرواة الأساسيين للأصول الأربعمئة .

وكان ابن أبي عمير عابداً للغاية ، وقد ذكره الجاحظ عند الحديث عن أفضلية القحطانيين على العدنانيين مفتخراً بذلك ، حيث كان في بعض الأحايين يسجد بعد صلاة الصبح سجدة لا يرفع رأسه منها حتى الظهر .

وكان هارون الرشيد قد طلب منه أن يكشف عن أسماء شيعة الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ، أو يرضى بالعمل قاضياً في إحدى المدن ، فرفض ذلك ، فجلده وألقاه السجن .

وخلال تلك الفترة قامت أخته بإخفاء كتبه – التي بلغت 94 كتاباً – تحت الأرض ، الأمر الذي أدى إلى تلفها جميعاًً .

وقد كان ابن أبي عمير بزازاً ثرياً ، ولمَّا خرج من السجن بعد أربع سنوات لم يكن قد بقي له شيء من المال .

وكان هناك شخص مدين له بمال سابقاً ، قد باع داره ليأتي له بألف درهم ، ولكنه لم يقبلها ، وقال : حدِّثني ذريح المحاربي عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) أنه قال :

( لا يُخرج الرجل من مسقط رأسه ، ارفعها فلا حاجة لي فيها ، والله إني محتاج في وقتي هذا إلى درهم ، وما يدخل ملكي منها درهم ) .

روايته للحديث :

كان محمد بن أبي عمير دقيقاً للغاية في رواياته ، فمع أنه قد سمع الكثير من الروايات عن علماء السنة ، إلا أنه لم يروِ عنهم مطلقاً ، خوفاً من اختلاط رواياتهم بروايات الأئمة ( عليهم السلام ) .

روى عن ابن أبي عمير الكثير نذكر منهم :

أبو عبد الله البرقي ، وإبراهيم بن هاشم ، ومحمد بن عيسى ، وغيرهم .

مؤلفاته :

نذكر من كتبه :

1 – الاحتجاج في الإمامة .

2 – الكفر والإيمان .

3 – اختلاف الحديث .

وفاته :

توفي ( رضوان الله عليه ) في عام ( 217 هـ ) .


 محمد بن الحسين الصفار ( رضوان الله عليه )

اسمه ولقبه :

محمد بن الحسن بن فروخ الصفار ، يُكَنَّى بـ ( أبي جعفر القُمِّي ) .

ولادته :

لم نعثر على تاريخ محدَّد لولادته ، إلا أنه كان من كبار علماء الشيعة في القرن الثالث الهجري .

أساتذته :

روى عن كثير من العلماء والمحدِّثين ، نذكر منهم :

1 – أحمد بن أبي عبد الله البرقي .

2 – أحمد بن الحسن بن علي .

3 – أحمد بن محمد بن مسلم .

4 – أحمد بن محمد بن أبي نصر .

5 – أيوب بن نوح .

6 – الحسن بن علي بن فضال .

7 – علي بن إبراهيم .

تلامذته :

روى عنه كثير من العلماء ، نذكر منهم :

1 – أحمد بن إدريس .

2 – علي بن الحسين بن بابويه .

3 – أحمد بن داود .

4 – أحمد بن محمد .

5 – سعد بن عبد الله .

6 – محمد بن جعفر المؤدب .

7 – محمد بن الحسن بن الوليد .

8 – محمد بن يحيى العطار .

مكانته العلمية :

كان أحد وجوه المحدِّثين والفقهاء ، وله مصنَّفات كثيرة .

كما عُدَّ من أصحاب الإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ) ، وروى عنه كثير من الروايات .

وله عنه ( عليه السلام ) مسائل كان قد كاتبه بها ، ووقَّع اسمه في أسناد أكثر من ( 745 ) مورداً من روايات أهل البيت ( عليهم السلام ) .

وقد عاصر الصفَّار المراحل الأخيرة من عصر الدولة العبَّاسية التي كانت تضطهد الشيعة وأئمتهم ( عليهم السلام ) ، وتضعهم في السجون .

وبالرغم من ذلك كانت للصفَّار مكتبات سرِّية مع الإمام العسكري ( عليه السلام ) ، يجيبه فيها عن استفسارات الشيعة ، ثم يوصلها بدوره إلى أنصار الإمام ( عليه السلام ) ومُحبِّيه ، وبذلك يكون قد ساهم في حفظ التراث الشيعي .

وكان الصفَّار من الوجوه العلمية الشيعية البارزة في مدينة قم المقدسة ، حيث اعتمد الشيخ الكليني ( رحمه الله ) على كثير من الروايات التي نقلها الصفَّار عن الأئمة ( عليهم السلام ) .

أقوال العلماء فيه :

منها ما يلي :

أولاً : قال النجاشي في رجاله :

كان محمد بن الحسن الصفَّار وجهاً من أصحابنا القُمِّيِّين ، ثقة ، عظيم القدر ، راجحاً .. .

ثانياً : قال العلاَّمة الحِلِّي في الخلاصة :

كان الصفَّار من الوجوه البارزة والمعروفة في مدينة قم المقدَّسة ، وهو ثقة ، عظيم الشأن ، نالت رواياته الأفضلية .

ثالثاً : قال الشيخ الطوسي في الفهرست :

محمد بن الحسن الصفَّار من أهل قم ، وله مؤلَّفات كثيرة ، ومراسلات مع الإمام العسكري ( عليه السلام ) ، وهذه المراسلات موجودة ومحفوظة .

مؤلفاته :

نذكر من مؤلفاته ما يلي :

1 – كتاب الصلاة .

2 – الجهاد .

3 – كتاب الرد على الغُلاة .

4 – كتاب التقيَّة .

5 – كتاب المناقب .

6 – كتاب بصائر الدرجات .

7 – كتاب ما روي في أولاد الأئمة ( عليهم السلام ) .

وفاته :

توفي محمد بن الحسين الصفَّار ( رحمه الله ) سنة ( 290 هـ ) في مدينة قم المقدَّسة .


محمد بن عثمان العمري ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

محمد بن عثمان بن سعيد ، وهو النائب الثاني للإمام المهدي ( عليه السلام ) ، الذي تولّى النيابة عن إمام الزمان ( عليه السلام ) من بعد أبيه ، بأمر الإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ) ، وبتصريح من والده ، حيث تولّى هذا المقام مدة خمسين سنة .

مكانته :

كانت له منزلة كبرى عند الشيعة ، وقد سأل أحمد بن اسحاق الإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ) : لمن أعامل ، وعمّن آخذ ، وقول من أقبل ؟

فقال له الإمام ( عليه السلام ) :

( العمري [ عثمان بن سعيد ] وابنه ثقتان ، فما أدَّيَا إليك فعنِّي يؤديان ، وما قالا لك فعني يقولان ، فاسمع لهما وأطعهما ، فإنهما الثقتان المأمونان ) .

وبعد وفاة عثمان بن سعيد ، أرسل الإمام المهدي ( عليه السلام ) كتاباً إلى ولده محمد ، يعزيه فيه بوفاة أبيه ، ويقول :

( وكان من كمال سعادته أن رزقه الله ولداً مثلك ، يخلفه من بعده ، ويقوم مقامه بأمره ، ويترحّم عليه ) .

كما قال الإمام ( عليه السلام ) في كتاب آخر له :

( والابن ( محمد ) وقاه الله ، لم يزل ثقتنا في حياة الأب رضي الله عنه وأرضاه ، ونضّر وجهه ، يجري عندنا مجراه ، ويسد مسده ، وعن أمرنا يأمر الابن ، وبه يعمل تولاه الله ) .

وفاته :

توفي ( رضوان الله عليه ) في عام ( 305 هـ ) .


محمد بن مسلم ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

محمد بن مسلم من أهل الطائف ، ويُكنَّى أبو جعفر ، سكن ( الكوفة ) ، ويُعرف بالأعور ، والطحان .

وهو من أبرز أصحاب وخواص الإمامين الباقر والصادق ( عليهما السلام ) .

مكانته العلمية :

كان محمد بن مسلم على درجة من العلم ، بحيث عندما أراد الراوي الجليل ابن أبي يعفور من الإمام الصادق ( عليه السلام ) تعريفه بشخص يطرح عليه مسائله في حال عدم تسنِّي الوصول إلى الإمام ( عليه السلام ) ، فعرَّفه الإمام ( عليه السلام ) بمحمد بن مسلم .

كما أن فضله ومكانته معروفة لدى أهل السنة ، فقد كان أبو حنيفة يرسل إليه من يطرح عليه مسائله .

سيرته :

كان محمد بن مسلم رجلاً ثرياً موسراًً ، وعندما أمره الإمام الباقر ( عليه السلام ) بالتواضع ، اتَّخذ زنبيلاً من التمر وميزاناً ، وراح يبيع أمام المسجد الجامع .

ولما منعه أقرباؤه عن ذلك ، قال لهم بأن مولاه أمره بذلك ولا يمكن مخالفته .

فطلبوا منه – إذ هو يرغب في العمل – أن يأتي بمطحنة يطحن بها الحنطة ، فوافق على ذلك ، وعُرف لأجله بالطحان .

وكان الإمام الباقر ( عليه السلام ) على صلة حميمة به ، حتى أنه حدث في إحدى المرّات ، أنْ عاد محمد إلى المدينة من سفر له ، ولم يستطع زيارة الإمام ( عليه السلام ) لمرضه ، فأرسل إليه الإمام ( عليه السلام ) شراباً بيد غلامه ، فتحسَّن حاله فوراً ، وتوجَّه إلى الإمام .

وقد اعتبره النجاشي ( قدس سره ) وجه الشيعة ، وفقيهاً ، وورعاًً ، كما اعتبره الشيخ المفيد ( قدس سره ) من الفقهاء الذين لم يمسهم النقد .

روايته للحديث :

عاش محمد بن مسلم في المدينة أربع سنوات ، ونهل من معين الإمامين الباقر والصادق ( عليهما السلام ) .

فروى خلال حياته ثلاثين ألف رواية عن الإمام الباقر ( عيه السلام ) ، وست عشرة ألف أخرى عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) .

وروى محمد بن مسلم عن : أبي حمزة الثمالي ، وحمران ، وأبي الصباح ، وغيرهم .

كما روى عنه أعلام ، من قبيل : ابن رئاب ، وصفوان بن يحيى ، ويونس بن عبد الرحمن ، وغيرهم .

وفاته :

توفي ( رضوان الله عليه ) في سن السبعين ، في عام ( 150 هـ ) .


المختار بن أبي عبيد الثقفي ( رضوان الله عليه )

ولادته :

ولد المختار بن أبي عُبَيد بن مسعود الثقفي في السنة الأولى من الهجرة في مدينة الطائف .

جوانب من حياته :

لمّا ترعرع المختار حضر مع أبيه وقعة قُسّ الناطف وهو ابن ثلاث عشرة سنة ، وكان يتفلّت للقتال فيمنعه سعد بن مسعود عمُّه .

فنشأ مقداماً شجاعاً ، يتعاطى معالي الأمور ، وكان ذا عقلٍ وافر ، وجوابٍ حاضر ، وخِلالٍ مأثورة ، ونفسٍ بالسخاء موفورة ، وفطرةٍ تُدرك الأشياء بفراستها ، وهمّةٍ تعلو على الفراقد بنفاستها ، وحَدَسٍ مُصيب ، وكفٍّ في الحروب مُجيب ، مارسَ التجاربَ فحنّكَتْه ، ولابَسَ الخطوبَ فهذّبَتْه .

وينهض الشباب بالمختار ، فتُعرَف فيه شمائل النخوة والإباء ورفض الظلم ، ويُسمَع منه ويُرى فيه مواقف الشجاعة والتحدّي أحياناً ، وهذا أشدّ ما تخشاه السلطات الأُمويّة ، فألقت القبض عليه وأودعته في سجن عبيد الله بن زياد في الكوفة .

وكان هذا تمهيداً لتصفية القوى والشخصيّات المعارضة ، والتفرّغ لإبادة أهل البيت بعد ذلك حيث لا أنصار لهم ولا أتباع .

وتقتضي المشيئة الإلهيّة أن يلتقي المختار في السجن بمِيثم التمّار ، فيبشّره هذا المؤمن الصالح الذي نهل من علوم إمامه عليٍّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .

ويقول ميثم التمار للمختار : إنّك تفلتُ وتخرج ثائراً بدم الحسين ( عليه السلام ) ، فتقتل هذا الجبّارَ الذي نحن في سجنه ( أي ابن زياد ) ، وتطأ بقدمك هذا على جبهته وخَدَّيه .

ولم تطل الأيّام حتّى دعا عبيد الله بن زياد بالمختار من سجنه ليقتله ، وإذا بالبريد يطلع بكتاب يزيد بن معاوية إلى ابن زياد يأمره بتخلية سبيل المختار ، وذلك أنّ أخت المختار كانت زوجة عبد الله بن عمر ، فسألت زوجها أن يشفع لأخيها إلى يزيد ، فشفّع فأمضى يزيد شفاعته ، فكتب بتخلية سبيل المختار .

بعث المختار إلى أصحابه فجمعهم في الدور حوله ، وأراد أن يثب على أهل الكوفة ، ثأراً منهم على قتلهم الإمامَ الحسين ( عليه السلام ) .

ثورة المختار :

ينقض المختار على الكوفة وقد خبّأت رؤوس الفتنة والضلالة والجريمة ، آلافاً من قتلة سيّد الشهداء الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، فيحصدها المختار انتقاماً لدم ولي الله ، وثأراً ممّن قتل الأطفال والصالحين وسبى النساء والأرامل والثُكالى ، الذين جعلوا بيت النبي ( صلّى الله عليه وآله ) في عزاء ونحيب وعويل ليلَ نهار .

قال المنهال : دخلتُ على علي بن الحسين قبل انصرافي من مكّة ، فقال لي : ( يا منهال ، ما صنع حرملةُ بن كاهل الأسدي ؟ ) فقلت : تركته حيّاً بالكوفة ، فرفع يديه جميعاً ثمّ قال ( عليه السلام ) : ( اللهُمّ أَذِقْه حرَّ الحديد ، اللهمّ أذِقْه حرّ الحديد ، اللهمّ أذِقْه حرَّ النار ) .

قال المنهال : فقدمتُ الكوفة وقد ظهر المختار بن أبي عبيد الثقفي ، وكان صديقاً لي ، فركبتُ إليه ولقيتُه خارجاً من داره ، فقال : يا منهال ، لم تأتِنا في ولايتنا هذه ، ولم تُهنّئنا بها ، ولم تُشركنا فيها ؟! فأعلمتُه أنّي كنت بمكّة ، وأنّي قد جئتك الآن .

وسايرتُه ونحن نتحدّث حتّى أتى الكُناسة ، فوقف وقوفاً كأنّه ينظر شيئاً ، وقد كان أُخبر بمكان حرملة فوجّه في طلبه .

فلم يلبث أن جاء قوم يركضون ، حتّى قالوا : أيُّها الأميرُ البشارة ، قد أُخذ حرملة بن كاهل !

فما لبثنا أن جيء به ، فلمّا نظر إليه المختار قال لحرملة : الحمد لله الذي مكّنني منك ، ثمّ قال : النارَ النار ، فأُتيَ بنارٍ وقصب ، فأُلقي عليه فاشتعل فيه النار .

قال المنهال : فقلت : سبحانَ الله ! فقال لي : يا منهال ، إنّ التسبيح لَحَسَن ، ففيمَ سبّحت ؟ قلت : أيّها الأمير ، دخلتُ في سفرتي هذه – وقد كنت منصرفاً من مكّة – على علي بن الحسين ( عليهما السلام ) فقال لي : ( يا منهال ، ما فعل حرملة بن كاهل الأسدي ؟ ) فقلت : تركتُه حيّاً بالكوفة ، فرفع يديه جميعاً فقال : ( اللهمّ أذِقْه حرَّ الحديد ، اللهمّ أذِقْه حرّ الحديد ، اللهمّ أذقْه حرّ النار ) .

فقال لي المختار : أسمعتَ عليَّ بن الحسين يقول هذا ؟! فقلت : واللهِ لقد سمعتُه يقول هذا ، فنزل عن دابّته وصلّى ركعتين فأطال السجود .. ثمّ ركب وقد احترق حرملة .

وشيّع المختارُ إبراهيمَ بن مالك الأشتر ماشياً يبعثه إلى قتال عبيد الله بن زياد ، فقال له إبراهيم : اركبْ رَحِمَك الله ، فقال المختار : إنّي لأحتسب الأجر في خُطايَ معك ، وأحبُّ أن تَغْبَرَّ قدمايَ في نصر آل محمّد ( صلّى الله عليه وآله ) .

ثمّ ودّعه وانصرف ، فسار ابن الأشتر إلى المدائن يريد ابنَ زياد ، ثمّ نزل نهرَ الخازر بالموصل شمال العراق ، وكان الملتقى هناك ، فحضّ ابن الأشتر أصحابه خاطباً فيهم : يا أهلَ الحقّ وأنصار الدين ، هذا ابنُ زيادٍ قاتلُ حسين بن عليٍّ وأهلِ بيته ، قد أتاكم اللهُ به وبحزبه حزب الشيطان ، فقاتلوهم بنيّةٍ وصبر ، لعلّ الله يقتله بأيديكم ويشفي صدوركم .

وتزاحفوا … ونادى أهل العراق : يا لِثاراتِ الحُسين ، فجال أصحاب ابن الأشتر جولةً ، وحمل ابن الأشتر يميناً فخالط القلب ، وكسرهم أهل العراق فركبوهم يقتلونهم .

فانجلت الغُمّة وقد قُتل عبيدُ الله بن زياد ، وحصين بن نمير ، وشرحبيل بن ذي الكلاع ، وأعيان أصحابهم .

وأمر إبراهيم بن الأشتر أن يطلب أصحابه ابنَ زياد ، فجاء رجل فنزع خُفَّيه وتأمّله .. فإذا هو ابن زياد على ما وصف ابن الأشتر ، فاجتزّ رأسه ، واستوقدوا عامّة الليل بجسده ، ثمّ بعث إبراهيم بن الأشتر برأس ابن زياد ورؤوس أعيانه إلى المختار .

فجاء بالرؤوس والمختارُ يتغدّى ، فأُلقيت بين يَدَيه ، فقال : الحمد لله ربّ العالمين ! فقد وُضع رأسُ الحسين بن علي ( عليهما السلام ) بين يدَي ابن زياد لعنه الله وهو يتغدّى ، وأُتيتُ برأس ابن زياد وأنا أتغدّى ! .

فلمّا فرغ المختار من الغداء قام فوطئ وجه ابن زياد بنعله ، ثمّ رمى بالنعل إلى مولىً له وقال له : اغسلْها فإنّي وضعتُها على وجهِ نجسٍ كافر .

ثمّ بعث المختار برأس ابن زياد إلى محمّد بن الحنفية وإلى علي بن الحسين ( عليهما السلام ) ، فأُدخل عليه وهو يتغدّى ، فقال ( عليه السلام ) : أُدخِلتُ على ابن زياد ( أي حينما أُسر وجيء به إلى الكوفة ) وهو يتغدّى ورأسُ أبي بين يدَيه ، فقلت : اللهمّ لا تُمتْني حتّى تُريَني رأسَ ابنِ زياد وأنا أتغدّى ، فالحمد لله الذي أجاب دعوتي .

أمّا عمر بن سعد ، فكان المختارُ قد سُئل في أمانه ، فآمَنَه على شرط ألاّ يخرج من الكوفة ، فإن خرج منها فدمُه هدر .

فأتى عمرَ بن سعد رجلٌ فقال له : إنّي سمعت المختار يحلف ليقتلنّ رجلاً ، واللهِ ما أحسَبُه غيرَك !

قال الراوي : فخرج عمر حتّى أتى الحمّام ( الذي سُمّي فيما بعد بحمّام عمر ) فقيل له : أترى هذا يخفى على المختار ! فرجع ليلاً ، ثمّ أرسل ولدَه حفصاً إلى المختار الذي دعا أبا عَمرة وبعث معه رجلين فجاءوا برأس عمر بن سعد فتأسّف حفص وتمنّى أن يكون مكان أبيه ، فصاح المختار يا أبا عَمرة ، ألْحِقْه به .. فقتله .

فقال المختار بعد ذلك : عُمَر بالحسين ، وحفص بعلي بن الحسين ( أي علي الأكبر ) ، ولا سَواء !

واشتدّ أمر المختار بعد قتل ابن زياد ، وأخافَ الوجوه ، وكان يقول : لا يسوغ لي طعامٌ ولا شراب حتّى أقتلَ قَتَلَةَ الحسينِ بن علي ( عليهما السلام ) وأهلِ بيته ، وما مِن دِيني أترك أحداً منهم حيّاً .

وقال : أعلِموني مَن شرك في دم الحسين وأهل بيته ( عليهم السلام ) ، فلم يكن يأتونه برجل فيشهدون أنّه من قَتَلَة الحسين أو ممّن أعان عليه ، إلاّ قتله .

شهادة المختار :

وجُه عبد الله بن الزبير أخاه مصعب إلى العراق لكي ينتقم من المختار ، فقاتله المختار أشد قتال حتّى قتل في الرابع عشر من شهر رمضان عام ( 67 هـ ) .


مسلم المجاشعي ( رضوان الله عليه )

جوانب من حياته :

كان مسلم المجاشعي يعيش في المدائن أيَّام واليها حُذيفة بن اليمان ، وبعد قتل عثمان وبقاء حذيفة والياً عليها بأمر الإمام علي ( عليه السلام ) ، قرأ حذيفة على الناس رسالة الإمام ( عليه السلام ) ، ودعاهم إلى بيعته متحدِّثاً عن عظمته .

ولما بايع الناس أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، طلب مسلم المجاشعي من حذيفة أن يحدِّثه بحقيقة ما كان قد جرى ، ففعل ، أصبح مسلماً .

فكان من الموالين للإمام ( عليه السلام ) ، ورسخ حبَّ الإمام ( عليه السلام ) في قلبه ، حتى قال ( عليه السلام ) فيه يوم الجمل :

( إنَّ الفتى مِمَّن حَشى اللهُ قلبُه نوراً وإيماناً ) .

شهادته :

ذكر في ( المناقب ) للخوارزمي ، عن مجزأة السدوسي ، في ذكر أحداث حرب الجمل :

لمَّا تقابل العسكران – عسكر الإمام علي ( عليه السلام ) وعسكر أصحاب الجمل – جعل أهل البصرة يرمون أصحاب علي بالنبل ، حتى عقروا منهم جماعة .

فقال الناس : يا أمير المؤمنين ، إنَّه قد عقرنا نبلهم فما انتظارك بالقوم ؟!

فقال ( عليه السلام ) :

( اللَّهُمَّ إني أشهدُكَ أنِّي قد أعذرت وأنذرت ، فَكُنْ لي عليهم من الشاهدين ) .

ثمَّ دعا ( عليه السلام ) بالدرع ، فأفرغها عليه ، وتقلَّد بسيفه ، واعتجر بعمامته ، واستوى على بغلة النبي ( صلى الله عليه وآله ) .

ثمَّ دعا بالمصحف فأخذه بيده ، وقال : يا أيها الناس ، من يأخذ هذا المصحف فيدعو هؤلاء القوم إلى ما فيه ؟

قال : فوثب غلام من مجاشع يقال له : مسلم ، عليه قباء أبيض ، فقال له : أنا آخذه يا أمير المؤمنين .

فقال له ( عليه السلام ) : ( يا فتى ، إنَّ يدك اليمنى تُقطع ، فتأخذُه باليُسرى ، فتُقطع ، ثمَّ تضرب عليه بالسيف حتى تقتل ) .

فقال الفتى : لا صَبرَ لي على ذلك يا أمير المؤمنين .

قال : فنادى علي ثانية ، والمصحف في يده ، فقام إليه ذلك الفتى ، وقال : أنا آخذه يا أمير المؤمنين .

قال : فأعاد عليه على مقالته الأولى ، فقال الفتى : لا عليك يا أمير المؤمنين ، فهذا قليل في ذات الله .

ثمَّ أخذ الفتى المصحف وانطلق به إليهم ، فقال : يا هؤلاء ، هذا كتاب الله بيننا وبينكم .

قال : فضرب رجل من أصحاب الجمل يده اليمنى فقطعها ، فأخذ المصحف بشماله فقطعت شماله ، فاحتضن المصحف بصدره ، فَضُرب عليه حتى قتل .

وكانت شهادته ( رضوان الله عليه ) سنة ( 36 هـ ) .


المفضل بن عمر الجعفي ( رضوان الله عليه )

ولادته :

وُلد المفضل بن عمر الجعفي في أواخر القرن الأول الهجري ، بمدينة الكوفة.

مكانته العلمية :

كان المفضل بن عمر من الرجال البارزين ومن التلامذة المميزين عند الإمام الصادق والإمام الباقر والإمام الرضا ( صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ) ، واستناداً لبعض الروايات أنه أدرك الإمام الجواد ( عليه السلام ) أيضاً .

لقد روى المفضل كثيراً من الروايات عن الإمام جعفر الصادق والإمام موسى الكاظم ( عليهما السلام ) ، ويعتبر من الرواة الموثقين الكبار ، وكانت له منزلة عظيمة عندهما ( عليهما السلام ) ، كما كان ينوب عنهما في استلام الحقوق الشرعية وصرفها في مورادها .

وجاء في رواية عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه قال لمفضل بن عمر : ( لو رأيت نزاعاً محتدماً بين اثنين من شيعتنا حول قضية مالية فاصرف عليها من مالنا الذي عندك وافصم النزاع بينهما ) .

مكانته عند الإمام ( عليه السلام ) :

جاء في رواية عن الإمام الرضا ( عليه السلام ) يقول فيها : ( إن مفضل هو أنيسي وصاحبي وأنا أشعر بالراحة عنده ) .

وروي أنه زار الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) في أحد الأيام وقد سُرَّ الإمام برؤيته ، وظهرت البسمة على شفتيه المباركتين ، ثم قال : ( يا مفضل ، أقسم بالله أني أحبك ، وأحب من يحبك ، يا مفضل ، لو أن جميع أصحابي كانوا يعلمون ما تعلم ، لما اختلف اثنين منهم ) .

فأجاب المفضل : يا ابن رسول الله ، إني أظنك قد جعلتني في درجة هي أعلى مما أستحقه !! ، فرد الإمام ( عليه السلام ) قائلاً : ( بل جعلتك في مرتبة قد خصك الله بها ) .

مؤلفاته :

1ـ ( توحيد المفضل ) :

وهو كتاب فيه ما أملاه عليه الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) ، وفيه بحوث توحيدية وكانت شهرته بهذا الكتاب .

2ـ ( الوصية ) :

وهو كتاب فيه مجموعة من الأخبار جمعها عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) في شؤون المسلمين وحياتهم ، وطلباتهم ، وأحداث المستقبل ، وأسرار العالم السفلي والعلوي .

3ـ ( اليوم والليلة ) :

وهو كتاب يذكر فيه ما رواه عن الأئمة ( عليهم السلام ) بخصوص النوافل والأدعية .

4ـ ( علل الشرائع ) :

وهو كتاب يشرح الأحكام الشرعية ، والفوائد والمنافع المترتبة عليها .

5ـ ( الأهليلجية ) :

وهو كتاب يذكر فيه ما أملاه عليه الإمام الصادق ( عليه السلام ) في الرد على الكفار الملاحدة .

وفاته :

توفي المفضل بن عمر ( رضوان الله عليه ) بعد أن ناهز عمره الشريف ثمانين عاماً ، ولما نعي المفضل عند الإمام الرضا ( عليه السلام ) قال : ( لقد نال المفضل الرَوحَ والراحة ) .


المقداد بن عمرو ( رضوان الله عليه )

ولادته ونشأته :

المقداد بن عمرو بن ثعلبة ، بن مالك بن ربيعة بن عامر بن مطرود البهرائي ، هذا هو اسمه الحقيقي ، ولد عام 24 قبل البعثة في حضرموت .

نشأ في ظل أبيه ورعايته ، وحنان أمه وعطفها ، ضمن مجتمع ألِفَ مقارعة السيف ، ومطاعنة الرمح ، فكانت الشجاعة إحدى سجاياه التي اتّصف بها فيما بعد .

سيرته :

حين كبر المقداد وقع بينه وبين أبي شمر بن حجر الكندي ـ أحد زعماء كندة ـ خلافٌ ، فما كان من المقداد إلا أن تناوله بسيفه ، فضرب رجله وهرب إلى مكة .

وكان يقول : لأحالفنّ أعزّ أهلها ولم يخنع ولم يضعف ، وعند ذلك حالف الأسود بن عبد يغوث الزهري فتبنّاه ، ومنذ ذلك اليوم صار اسمه ( المقداد بن الأسود ) نسبة لحليفة ، و ( الكندي ) نسبةً لحلفاء أبيه ، وقد غلب عليه هذا الاسم ، واشتهر به ، حتى إذا نزلت الآية الكريمة ( إدْعوهم لآبائهم ) ، قيل له : المقداد بن عمرو .

فضله وإيمانه :

وهو أول فارس في الإسلام وكان من الفضلاء ، النجباء ، الكبار ، الخيار ، من أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) سريع الإجابة إذا دُعي إلى الجهاد . شهد المشاهد كلها مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .

وكان إلى جانب ذلك رفيع الخلق ، عالي الهمّة ، طويل الأناة ، طيّب القلب صبوراً على الشدائد ، يحسن إلى ألدّ أعدائه طمعاً في استخلاصه نحو الخير ، صلب الإرادة ، ثابت اليقين ، لا يزعزعه شيء ، ويكفي في ذلك ما ورد في الأثر :( ما بقي أحد إلا وقد جال جولة إلا المقداد بن الأسود فإن قلبه كان مثل زبر الحديد ) .

وذكر ابن مسعود أن أوّل من أظهر إسلامه سبعة ، وعدَّ المقداد واحداً منهم وكان من الفضلاء النجباء ، إلا إنه كان يكتم إسلامه عن سيّده الأسود بن عبد يغوث خوفاً منه على دمه ، شأنه في ذلك شأن بقيّة المستضعفين من المسلمين الذين كانوا تحت قبضة قريش .

موفقه من أصحاب الشورى :

كان الناس على فريقين بخصوص أصحاب الشورى الستة الذي عيّنه عمر ، ففريق يريدها لعلي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وهو الفريق المتمثل ببني هاشم وشيعة علي أمثال عمار بن ياسر، والمقداد بن عمرو ، وفريق يريدها لعثمان بن عفان ، وهو المتمثل بابن سرح ، وابن المغيرة وبقيّة بني أميّة وأتباعهم .

وتعالت الأصوات كلٌ ينادي باسم صاحبه ، فأقبل المقداد على الناس وقال : أيها الناس اسمعوا ما أقول : أنا المقداد بن عمرو ، إنّكم إن بايعتم علياً سمعنا وأطعنا ، وإن بايعتم عثماناً سمعنا وعصينا !

فقام عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي وقال : أيها الناس ، إنكم إن بايعتم عثماناً سمعنا وأطعنا ، وإن بايعتم علياً سمعنا وعصينا !

فانتفض المقداد ورد عليه قائلاً : ( يا عدو الله ، وعدوّ رسوله ، وعدوّ كتابه ، متى كان مثلك يسمع له الصالحون ) .

ولما بويع لعثمان بالخلافة ، عبّر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عن عدم رضاه لهذه النتيجة، لكنّه سلّم بالأمر الواقع ، قائلاً : ( لأسلمن ما سلمت أُمور المسلمين ، ولم يكن فيها جور إلا عليَّ خاصة ) .

وقال المقداد : تالله ما رأيت مثل ما أُوتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم ، واعجباً لقريش ! لقد تركت رجلاً ما أقول ولا أعلم أن أحداً أقضى بالعدل ، ولا أعلم ، ولا أتقى منه ، أما والله لو أجد أعواناً… الخ .

فالتفت الإمام علي ( عليه السلام ) نحو المقداد ، وقال مسلّياً ومهدّئاً : إني لأعلم ما في أنفسهم ، إن الناس ينظرون إلى قريش ، وقريش تنظر في صلاح شأنها فتقول : إن ولي الأمر بنو هاشم لم يخرج منهم أبداً ، وما كان في غيرهم فهو متداول في بطون قريش .

وفاته :

وكانت وفاته في سنة 33 للهجرة ، بعد أن شهد فتح مصر ، وقد بلغ من العمر سبعين عاماً ودفن في مقبرة البقيع .


ميثم بن يحيى التمار ( رضوان الله عليه )

اسمه ونسبه :

ميثم بن يحيى التمار ، أصله من بلاد فارس .

جوانب من حياته :

كان ميثم عبداً لامرأة من بني أسد ، فاشتراه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) منها ، وأعتقه ، وكان يُكنَّى بأبي سالم .

وكان ميثم التمار خطيب الشيعة بالكوفة ومتكلِّمها ، وفي مرة قال لابن عباس :

سَلْني ما شئت من تفسير القرآن ، فإنِّي قرأت تنزيله على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وعلَّمني تأويله .

وقال الإمام علي ( عليه السلام ) لميثم :

( إِنَّك تُؤخَذ بعدي ، فَتُصلَب وتُطعَن بِحَربة ، فإذا كان اليوم الثالث ابتدر منخراك وفمك دماً ، فيخضِّب لحيتك ، فانتظر ذلك الخضاب .

وتُصلب على باب دار عمرو بن حريث عاشر عشرة ، أنت أقصرهم خشبة ، وأقربهم من المطهرة ، وامضِ حتَّى أريك النخلة التي تُصلَب على جذعها ) .

فأراه إيَّاها ، فكان ميثم يأتيها ويصلِّي عندها ، ويقول : بوركتِ من نخلة ، لكِ خُلقتُ ، ولي غُذِّيتِ ، ولم يزل يتعاهدها حتَّى قُطعت ، وحتَّى عُرف الموضع الذي يُصلب فيه .

وكان يلقى عمرو بن حريث فيقول له : إنِّي مجاورك ، فأحسن جواري .

فيقول له عمرو : أتريد أن تشتري دار ابن مسعود أو دار ابن حكيم ؟ ، وهو لا يعلم ما يقصد بكلامه .

ودخل مرة على أمِّ سلمة ( رضوان الله عليها ) ، فقالت له : من أنت ؟

فقال : عراقي .

فسألته عن نسبه ، فذكر لها أنه كان مولى الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) .

فقالت : أنت هيثم ؟

قال : بل أنا ميثم .

فقالت : سبحان الله ، والله لرُبَّما سمعتُ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يوصي بك علياً في جوف الليل .

فسألها عن الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، فقالت : هو في حائط له .

فقال : أخبريه أنِّي قد أحببت السلام عليه ، ونحن ملتقون عند ربِّ العالمين إن شاء الله ، ولا أقدر اليوم على لقائه ، وأريد الرجوع .

فدعت بطِيبٍ فطيَّبت لحيته ، فقال لها : أما أنَّها ستُخضَّب بدم .

فقالت : من أنبأَك هذا ؟

فقال : أنبأَني سيِّدي .

فبكَت أم سلمة وقالت له : إنه ليس بسيِّدك وحدك ، وهو سيِّدي وسيِّد المسلمين ، ثمَّ ودَّعته .

شهادته :

قدِم ميثم ( رضوان الله عليه ) الكوفة ، فأخذه عبيد الله بن زياد ، فأُدخِل عليه ، فقيل : هذا كان من آثر الناس عند علي .

فقال : ويحكم ، هذا الأعجمي ؟!!

فقيل له : نعم .

فقال له عبيد الله : أين ربُّك ؟

فقال : بالمرصاد لكلِّ ظالم ، وأنت أحد الظلمة .

فقال : إنَّك على عجمتك لتبلغ الذي تريد ، ما أخبرك صاحبك أنِّي فاعلٌ بك ؟

فقال : أخبرني أنَّك تصلبني عاشر عشرة ، أنا أقصرهم خشبة ، وأقربهم من المطهرة .

فقال : لَنُخالفنَّه .

فقال : كيف تخالفه ؟! ، فوَ الله ما أخبرني إلا عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) عن جبرائيل ( عليه السلام ) عن الله تعالى ، فكيف تخالفُ هؤلاء ؟!

ولقد عرفتُ الموضع الذي أُصلَب عليه أين هو من الكوفة ، وأنا أوَّل خلق الله ألجمُ في الإسلام .

فحبسه ابن زياد ، وحبس معه المختار بن أبي عبيد الثقفي ، فقال ميثم التمَّار للمختار : إنَّك تفلتُ ، وتخرج ثائراً بدم الحسين ( عليه السلام ) ، فتقتل هذا الذي يقتلنا .

فلمَّا دعا عبيد الله بالمختار ليقتله طلع البريد بكتاب يزيد بن معاوية إلى عبيد الله بن زياد ، يأمره بالإفراج عنه ، وذاك أن أخته كانت زوجة عبد الله بن عمر بن الخطاب .

فسألت بعلها أن يشفع فيه إلى يزيد ، فشفع فأمضى شفاعته ، وكتب بتخلية سبيل المختار على البريد ، فوافى البريد ، وقد أخرج ليضرب عنقه فأطلق .

أما ميثم ( رضوان الله عليه ) فأخرج بعدَهُ لِيُصلَب ، فجعل ميثم ( رضوان الله عليه ) يحدِّث بفضائل بني هاشم ، ومخازي بني أميَّة وهو مصلوب على الخشبة .

فقيل لابن زياد : قد فضحَكُم هذا العبد .

فقال : ألجموه .

فلمَّا كان في اليوم الثاني فاضت منخراه وفمه دماً ، ولمَّا كان في اليوم الثالث ، طُعن بحربة ، فكبَّر ، فمات .

وكانت شهادته ( رضوان الله عليه ) في الثاني والعشرين من شهر ذي الحجَّة الحرام ، من سنة ( 60 هـ ) للهجرة ، أي :  قبل قدوم الإمام الحسين ( عليه السلام ) إلى العراق بعشرة أيَّام .


هشام بن الحكم ( رضوان الله عليه )

ولادته ونشأته :

ولد هشام في الكوفة ، ونشأ في واسط ، وكان يعمل في التجارة في بغداد ، ثُمَّ انتقل إليها في أواخر عمره ، واستقر فيها .

اختص بالإمام الصادق ( عليه السلام ) منذ بداية شبابه ، وبلغ من منـزلته عنده أنَّه كان يقدّمه على شيوخ الشيعة في وقته .

مكانته العلمية :

برع في علم الكلام والجدل ، حتّى فاق جميع أصحابه ، وكان الإمام الصادق ( عليه السلام ) يرجع بعض النّاس إليه في المناظرة والكلام ، ويشجعه على ذلـك .

لازم بعد وفـاة الإمام الصادق ( عليه السلام ) ابنه الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ، وأصبح من خلّص أصحابه .

له الكثير من المناظرات مع علماء عصره الذين عرفوا بقوّة المناظرة ، فكان العلماء يقصدونه لذلك ، وهو كذلك يقصد علماء الأمصار ورؤساء الحلقات العلمية للمناظرة ، طلباً لإظهار الحق ودحضاً للباطل .

حاول العباسيون الفتك به ، بعد أن اشتهر بقوّته في المناظرة ، وبروزه في الدفاع عن مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ففرّ إلى الكوفة ، ونزل متخفياً عند بشير النبال .

اقوال الائمة فيه :

قال فيه الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( ناصر بقلبه ولسانه ويده) .

وقال فيه الإمام الرضا ( عليه السلام ) : ( رحمه الله ، كان عبداً ناصحاً أوذي من قبل أصحابه حسداً منهم له ) ، كما أشار به العلاّمة الحلّي بقوله : ( … وهذا الرّجل عندي عظيم الشأن ، رفيع المنـزلة ) .

مؤلفاته :

له عدّة مؤلفات ، منها : كتاب علل التحريـم ، كتاب الفرائض ، كتاب الإمامة ، كتاب الدلالة على حدث الأجسام ، كتاب الردّ على الزنادقة ، كتاب الردّ على أصحاب الإثنين ، كتاب التوحيد ، كتاب الردّ على هشام الجواليقي وغيرها .

وفاته :

بعد فِراره إلى الكوفة من ملاحقة العباسيين ، مرض هشام مرضاً شديداً ، فأوصى بشيراً بأن يحمله بعد موته وتجهيزه ، ويضعه في ساحة الكناسة ليلاً ، ويكتب عليه رقعة فيها : ( هذا هشام الذي يطلبه الخليفة هارون الرشيد مات حتف أنفه ) .

وكانت وفاته سنة 179 هـ ، بعد شهادة الإمام الكاظم ( عليه السلام ) .