أبناء النبي والأئمة وذووهم-1

أبناء النبي والأئمة وذووهم

(صلوات الله عليهم أجمعين)

الجزء الأول


آمنة بنت وهب ( سلام الله عليها ) أم النبي ( صلى الله عليه وآله )

نسبُها :

تندرج ( آمنة بنت وهب ) من أسرة ( آل زهرة ) ذات الشأن العظيم ، فقد كان أبوها ( وهب بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي ) سيد بني زهرة شرفا وحسبا .

ولم يكن نسب آمنة من جهة أمها ، دون ذلك عراقة وأصالة فهي ابنة ( برة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب ) ، فتجمّع في نسب آمنة عِزُّ بني عبد مناف حسب وأصالة .

نشأتُها :

كان منبت السيدة آمنة وصباها في أعز بيئة ، وما لها من مكانة مرموقة من حيث الأصالة والنسب والحسب ، والمجد السامي .

فكانت تعرف ( بزهرة قريش ) فهي بنت بني زهرة نسبا وشرفا ، فكانت محشومة ومخبأة من عيون البشر ، حتى إنَّ الرواة كانوا لا يعرفون ملامحها.

فضلُها :

هذه الشخصية العظيمة والأم الجليلة لطالما نقصت المصادر والراويات عنها ، ويمكن تلمس ملامحها من خلال صورة ابنها العظيم الذي آوته أحشاؤها ، وغذاه دمها ، واتصلت حياته بحياتها ، ألا وهو خاتم النبيين محمد ( صلى الله عليه وآله ) .

فمن الملوك العرب ، من انتسبوا إلى أمهاتهم : كعمرو بن هند ، وأبوه هو المنذر بن ماء السماء ، وهناك كثير من الشعراء يمدحون كبار الرجال بأمهاتهم .

زواجُها :

جاء ( وهب ) ليخبر ابنته عن طلب عبد المطلب بتزويج آمنة بابنه عبد الله فغمر هذا الخبر المفرح نفسَ آمنة ، وبدأت سيدات آل زهرة تتوافد الواحدة تلو الأخرى لتبارك لآمنة .

أطالت آمنة التفكير في فتاها الذي هرع إليها طالباً يدها ، زاهدا في كل أنثى سواها ، فوافقت على طلبه وتزوجا ، واستغرقت الأفراح ثلاثة أيام ، ولكن عيناها ملأتها الدموع لأنها سوف تفارق البيت الذي ترعرعت فيه ، وأدرك عبد الله بما تشعر به ، وقادها إلى رحبة الدار الواسعة .

وقيل إن المدة لم تتجاوز عشرة أيام ، لأنه يجب عليه أن يلحق بالقافلة التجارية المسافرة إلى غزة والشام .

وفاةُ عبد الله:

ومرت الأيام وآمنة تشعر بلوعة الفراق ، ولهفة والحنين إلى رؤيته ، حتى إنها فضلت العزلة والاستسلام لذكرياتها مع عبد الله بدلا من أن تكون مع أهلها .

ومرت الأيام وشعرت آمنة ببوادر الحمل ، وكان شعورا خفيفا لطيفا ولم تشعر فيه بأية مشقة .

وفي هذه الأيام كانت تراودها شكوك في سبب تأخير عبد الله فكانت تواسي نفسها باختلاقها الحجج والأسباب لتأخيره .

وجاء الخبر المفزع من ( الحارث بن عبد المطلب ) ليخبر الجميع بأن عبد الله قد مات ، أفزع هذا الخبر آمنة ، فانهلّت عيناها بالدموع وبكت بكاءً مُرّاً على زوجها الغائب ، وحزن أهلها حزنا شديدا على فتى قريش عبد الله ، وانهلت بالنواح عليه وبكت مكة على ذلك الشاب الشجاع القوي .

آمنة أم اليتيم :

نُصحت آمنةُ بالصبر على مصابها الجلل ، الذي لم يكن ليصدق عندها حتى إنها كانت ترفض العزاء في زوجها ، ولبثت مكة وأهلها حوالي شهراً أو أكثر وهي تترقب ماذا سوف يحدث بهذه العروس الأرملة التي استسلمت لأحزانها .

وطال بها التفكير بزوجها الغالي عليها ، حتى إنها توصلت للسر العظيم الذي يختفي وراء هذا الجنين اليتيم ، فكانت تعلل السبب فتقول : أن عبد الله لم يفتد من الذبح عبثا ! لقد أمهله الله حتى يودعني هذا الجنين الذي يتقلب في أحشائها .

وجاءها المخاض فكانت وحيدة ليس معها أحد ولكنها شعرت بنور يغمرها من كل جانب ، وخيل لها أن ( مريم ابنة عمران ) ، و ( آسية امرأة فرعون ) ، و ( هاجر أم إسماعيل ) كلهنّ بجنبها ، فأحست بالنور الذي انبثق منها ، ومن ثم وضعت وليدها كما تضع كل أنثى من البشر .

وهنا اكتملت فرحة آمنة فوليدها بجوارها ، ولم تعد تشعر بالوحدة التي كانت تشعر بها من قبل ، وفرح الناس وفرح الجد عبد المطلب بحفيده وشكر الله على هذه النعمة .

وفاتُها :

حان الوقت التي كانت آمنة تترقبه حيث بلغ نبينا محمد ( صلى الله عليه وآله ) السادسة من عمره بعد العناية الفائقة له من والدته .

وظهرت عليه بوادر النضج ، فصحبته إلى أخوال أبيه المقيمين في يثرب لمشاهدة قبر فقيدها الغالي ، وعندما وصلت إلى قبر زوجها عكفت هناك ما يقارب شهرا كاملا ، وهي تنوح وتتذكر الأيام الخوالي التي جمعتها مع زوجها .

تعبت آمنة في طريقها بين البلدتين إثر عاصفة حارة وقوية هبت عليهم ، فشعرت آمنة بأن أجلها قد حان فكانت تحس بأنها سوف تموت ، ثم أخذها الموت من بين ذراعي ولدها الصغير وفارقت هذه الدنيا ، وانهلت أعين الطفل بالبكاء بين ذراعي أمه، فهو بعد لا يدرك معنى الموت ، وكان ذلك في سنة ( 576 م ) قبل بعثة النبي ( صلى الله عليه وآله ) بأربع وثلاثين سنة .


أبو طالب ( عليه السلام ) عم النبي ( صلى الله عليه وآله )

اسمه وولادته :

اسمه عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم ، وكنيته أبو طالب ، ولد قبل مولد النبي (صلى الله عليه وآله ) بخمس وثلاثين سنة ، وكان سيد البطحاء وشيخ قريش ورئيس مكة .

زواجه :

تزوج أبو طالب فاطمة بنت أسد ، وهو أول هاشمي يتزوج بهاشمية ، فولدت له أكبر أبناءه من الذكور :

وهو ( طالب ) وبه يكنى ، وعقيل ، وجعفر ، وعلي ، ومن الإناث :

أم هاني واسمها ( فاخته ) ، وجمانة .

وكانت فاطمة بنت أسد بمنزلة الأم لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، رَبَى ( صلى الله عليه وآله ) في حجرها ، فكان يناديها أمي ، وكانت تفضـله على أولادها في البِرِّ ، وكان له زوجات أُخَرٌ غير فاطمة بنت أسد .

كفالته للنبي ( صلى الله عليه وآله ) :

مات عبد الله بن عبد المطلب والنبي ( صلى الله عليه وآله ) حمل في بطن أمه ، وحينما ولد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تكفله جده عبد المطلب .

ولما حضرت الوفاة عبد المطلب أوصى ولده أبا طالب بحفظ رسول الله (صلى الله عليه وآله ) وحياطته وكفالته ، وكان عمره ( صلى الله عليه وآله ) ثماني سنين .

فكفله أبو طالب وقام برعايته أحسن قيام .

وكان أبو طالب يحب النبي ( صلى الله عليه وآله ) حبا شديداً ، وفي بعض الأحيان إذا رأى النبي ( صلى الله عليه وآله ) يبكي ويقول : إذا رأيته ذكرت أخي عبد الله ، وكان عبد الله أخاه لأبويه .

إيمانه :

لما بعث النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) إلى البشرية مبشراً ومنذراً ، صَـدّقه أبو طالب وآمن بما جاء به من عند الله ، ولكنه لم يظهر إيمانه تمام الإظهار بل كتمه ليتمكن من القيام بنصرة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ومن أسلم معه .

فإنه لم يكن يعبد الأصنام ، بل كان يعبد الله ويوحده على الدين الذي جاء به إبراهيم (عليه السلام) ، وخير دليل على ذلك هو خطبته التي ألقاها في طلب يد خديجة لابن أخيه محمد ( صلى الله عليه وآله ) قبل أن يبعث بخمسة عشر عاماً .

وقد صرح أبو طالب عما في داخل نفسه وما يؤمن به في اشعاره الكثيرة المشحونة بالإقرار على صدق النبي ( صلى الله عليه وآله ) وحقيقة دينه ، ناهيك عن الروايات الواردة عن النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) وأهل بيته المعصومين ( عليهم السلام ) في شأن إيمانه .

وفاته :

لم يمهل القدر سيد قريش ورئيس مكة الذي ساد بشرفه لا بماله ، فمات في السابع من رمضان سنة عشرة للبعثة النبوية الشريفة ، وكان عمره آنذاك ست وثمانون سنة ، وقيل تسعون سنة .

نعم مات المربّي والكافل والناصر ، فيا لها من خسارة جسيمة ونكبة عظيمة ، و يالها من أيام محزنة للنبي ( صلى الله عليه وآله ) فإنه يفقد فيها سنده القوي ، وملجأه الأمين من عتاد قريش .

وحينما علم النبي ( صلى الله عليه وآله ) بذلك ، قال لابنه :

( إمضي يا علي فتول غسله وتكفينه وتحنيطه ، فإذا رفعته على سريره فأعلمني ) .

ففعل ذلك ، فلما رفعه على السرير اعترضه النبي (صلى الله عليه وآله ) وقال :

( وصلتك رحم ، وجزيت خيراً يا عم ، فلقد ربيتَ وكفلتَ صغيراً ، ووازرت ونصرت كبيراً ) .

ثمّ أقبل على الناس وقال : ( أنا والله لأشفعن لعمي شفاعة يعجب لها أهل الثقلين ) .


أحمد ( رضوان الله عليه ) إبن الإمام الكاظم ( عليه السلام )

اسمه ونسبه :

السيد أحمد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ) .

سيرته :

كان السيد أحمد ( رضوان الله عليه ) من كبار محدّثي أهل البيت ( عليهم السلام ) وعلمائهم الأجلاء ، ومن أصحاب الكرامات الباهرة .

وكان ( رضوان الله عليه ) كريماً ورعاً ، حتى أنه أعتق ألف عبد وأمة في سبيل الله ، وكتب ألف مصحف بيده ، وكان جليلاً شجاعاً .

وكان من أوثق أولاد الإمام الكاظم ( عليه السلام ) بعد أخيه الإمام الرضا ( عليه السلام ) ، وقد وهبه أبوه ضيعته [ أي بستانه ] وهي المعروفة بـ( اليسيرة ) .

أخباره :

خرج السيد أحمد ( رضوان الله عليه ) مع جماعة من بني هاشم من المدينة المنورة ، قاصدين خراسان ( طوس ) ، للقاء الإمام الرضا ( عليه السلام ) .

فلمّا وصلوا إلى شيراز جنوب بلاد فارس ( إيران ) علم السيد أحمد بأن أخاه الإمام الرضا ( عليه السلام ) قد استشهد .

فأراد مواصلة السفر إلى ( طوس ) ، لكن حاكم مدينة ( شيراز ) من قبل المأمون منعه من السفر بأمر المأمون .

شهادته :

بعد منع السيد أحمد ( رضوان الله عليه ) من السفر إلى أخيه من قبل المأمون ، أدَّى ذلك إلى وقوع معركة بين حاكم شيراز وبين السيد أحمد وجماعته ، وانتهت بشهادة السيد أحمد ومن كان معه ، وذلك بعد سنة ( 203 هـ ) .

وقد دفن السيد أحمد بن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) في مدينة شيراز ، ومرقده الآن معروف بـ( شاه چراغ ) ، ويزوره محبي أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وطلاَّب الحوائج من كل حدب وصوب .


أروى بنت عبد المطلب ( رضوان الله عليها ) عمَّة النبي ( صلى الله عليه وآله )

إسمها ونسبها :

أروى بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي القرشية .

إسلامها :

أسلمت في مكة في أوائل البعثة النبوية .

أخبارها :

أروى بنت عبد المطلب من الصحابيات اللواتي سبَقْنَ إلى الإسلام ، وقد تزوَّجها في الجاهلية عمير بن وهب ، فولدت له طُلَيباً ، وأسلم طُلَيب في دار الأرقم .

وروي أنها كانت تعضد النبي ( صلى الله عليه وآله ) وتنصره بلسانها ، وتحثُّ ابنها طُلَيباً على نصرته ، والقيام بأمره ( صلى الله عليه وآله ) .

وفي إحدى المرَّات تعرَّض أبو جهل وعدَّة من الكفار للنبي ( صلى الله عليه وآله ) فآذوه ، فقام طُلَيب بن أروى إلى أبي جهل ، فضربه ضربة شجَّه بها .

فقيل لأمه : ألا ترَينَ ابنك ماذا يفعل من أجل محمد ( صلى الله عليه وآله ) ؟

فقالت : خير أيامه يوم يذبُّ عن ابن خاله ، وقد جاء بالحق من عند الله ، ثم أنشدت البيت الآتي :

إِنَّ طُلَيباً نصرَ ابنَ خَاله

آسَاهُ فِي ذِي ذِمَّة وَمَاله

شعرها :

كانت أروى بنت عبد المطلب شاعرة فصيحة اللسان ، كأخواتها الأخريات بنات عبد المطلب .

وفي أيام مَرَضِ عبد المطلب قام بجمع بناته ، وأمرهنَّ بأن يقلن في حياته ما يردنَ أن يرثِينَه به بعد وفاته ، وذلك ليسمع ما تريد قوله كل واحدة منهنَّ .

فقالت أروى وهي ترثي أباها :

بَكتْ عَيني وحقَّ لها البُكاءُ

على سمع سَجِيَّته الحَياءُ

على سهل الخليفة أَبطَحِيٌّ

كريمُ الخيم نِيَّتُه العلاءُ

على الفيَّاض شَيبة ذِي المَعَالِي

أبوه الخَير ليس له كفاءُ


إسحاق ( رضوان الله عليه ) إبن الإمام الصادق ( عليه السلام )

اسمه ونسبه :

السيد إسحاق بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ) ، ويكنى أبو محمد ، والملقَّب بـ( المؤتمن ) .

ولادته :

ولد بالعريض ( وادي يقع شرقي المدينة المنورة ) .

مكانته :

قال الشيخ المفيد ( قدس سره ) : كان من أهل الفضل والصلاح ، والورع والتقوى ، وكان محدِّثاً جليلاً ، روى عنه الناس الحديث والآثار .

كان يقول بإمامة أخيه الإمام موسى الكاظم ( عليه السلام ) ، وروى عن أبيه النص على إمامته ، وادَّعت طائفة من الشيعة فيه الإمامة .

وكان سفيان بن عيينة إذا روى عنه يقول : حدَّثني الثقة الرضي إسحاق بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ( عليهم السلام ) .

وقد بلغ من جلالته أنَّ ابن كاسب كان إذا حدَّث عنه قال : حدَّثني الثقة الرضي إسحاق بن جعفر .

وفاته :

لم نظفر بتاريخ وفاته .


إسحاق ( رضوان الله عليه ) إبن الإمام الكاظم ( عليه السلام )

اسمه ونسبه :

السيد إسحاق بن موسى بنِ جعفَر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ) كان يُلقَّب بـ( الأمين ) .

مكانته :

عَدَّه البرقي والطوسي ( قدس سرهما ) في أصحاب الإمام الرضا ( عليه السلام ) إذْ روى عنه ، وعنه روى محمد بن مسلم كما في الكافي ، ومحمَّد بن الحسين ابن أبي الخطاب كما في العيون .

وممَّا أورده الشيخ الكليني ( قدس سره ) عن إسحاق بن موسى أنه قال : حدَّثني أخي [ الإمام الرضا ] وعمي [ علي بن جعفر ] عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال :

( ثلاثةُ مجالس يمقتها الله ويرسل نقمته على أهلها ، فلا تقاعدوهم ولا تجالسوهم :

مجلساً فيه مَن يصف لسانه كذباً في فُتياه ، ومجلساً ذكْرُ أعدائنا فيه جديد وذكْرُنا فيه رثّ ، ومجلساً فيه من يصدعنا وأنت تعلم ) .

قال : ثمَّ تلا أبو عبد الله ( عليه السلام ) ثلاث آيات من كتاب الله ، كأنَّما كُنَّ في فيه – أو قال [ في كفِّه ] – :

( وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ) الأنعام : 108 .

( وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ) الأنعام : 68 .

( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ ) النحل 116 .

وفاته :

توفي ( رضوان الله عليه ) في المدينة المنوَّرة سنة ( 240 هـ ) .


أسماء بنت عميس ( رضوان الله عليها ) زوجة الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام )

إسلامها :

أسلمت أسماء بنت عميس الخثعمية في بداية الدعوة الإسلامية ، ولها من المواقف ما سجله لنا التاريخ بأحرف من نور .

أزواجها :

كان زوجها الأول وهو جعفر بن أبي طالب ( عليهما السلام ) الملقب بـ (الطيار) ، وقد ولدت منه ثلاثة أبناء ، وهم : الأول : عبد الله زوج زينب ( سلام الله عليها ) ، والثاني : محمد ، والثالث : عون .

وبعد استشهاد جعفر بن أبي طالب في واقعة مؤتة تزوجها أبي بكر ، فولدت منه محمد بن أبي بكر .

وبعد وفاة أبي بكر تزوجها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فتربى محمد بن أبي بكر في حجره ، فكان ربيبه ، حتى قال فيه : محمد ابني من صلب أبي بكر .

وبعد ذلك ولدت له ( عليه السلام ) ابناً ، فسماه يحيى .

سيرتها :

هاجرت أسماء مع زوجها جعفر إلى الحبشة وتحملت الأذى في سبيل الله من القريب والبعيد .

وعندما عادت من أرض الحبشة إلى المدينة المنورة قال لها عمر : يا حبشية ، سبقناكم بالهجرة ، فقالت : أي ، لعمري لقد صدقت ، كنتم مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يطعم جائعكم ، ويعلِّم جاهلكم ، وكنا البعداء الطرداء ، أما والله لآتين رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فلأذكرنَّ له ذلك .

فأتت إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وأخبرته بمقالة عمر ، فقال ( صلى الله عليه وآله ) لها : للناس هجرة واحدة ، ولكم هجرتان ، الهجرة الأولى للحبشة ، والثانية للمدينة المنورة .

وبناءً على ذلك يحق لأسماء أن تفتخر بما قاله رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لها .

ومن الأمثلة الدالة على صبر وتحمِّل أسماء ( رضوان الله عليها ) هو أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وبعد مقتل زوجها في مؤتة ، ذهب إلى بيتها فقال لها : يا أسماء ، أين بنو جعفر ؟ ، فجاءته بهم ، فضمهم وشمهم .. فقالت أسماء : أي رسول الله ، لعله بلغك عن جعفر شيء ؟ ، قال : نعم ، قُتل جعفر ، يا أسماء لا تقولي لي هجراً ، ولا تضربي صدراً .. وقال : على مثل جعفر فلتبك الباكية ، ثم قال : اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد شُغلوا عن أنفسهم اليوم .

منزلتها :

وردت كثير من الروايات في منزلة أسماء وعلو مكانتها في الإسلام ، نذكر منها الروايتين الآتيتين :

الرواية الأولى :

روي عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) أنه قال في أخوات الجنة :

( رحم الله الأخوات من أهل الجنة ، فسمَّاهن : أسماء بنت عميس الخثعمية ، وكانت تحت جعفر بن أبي طالب .

الرواية الثانية :

روي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه قال : كان مع أمير المؤمنين
( عليه السلام ) خمسة نفر ، وكان ثلاثة عشر قبيلة مع معاوية ، فأما الخمسة : محمد بن أبي بكر ( رحمه الله ) عليه أتته النجابة من قبل أمه أسماء بنت عميس ، وكان معه هاشم المرقال .

وفاؤها للزهراء ( سلام الله عليها ) :

روي في تزويج فاطمة ( عليها السلام ) : أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر النساء بالخروج فخرجن مسرعات إلا أسماء فقد تأخرت ، فدخل النبي (صلى الله عليه وآله) تقول أسماء : فلما خرج رأى سوادي ، فقال : مَن أنتِ ؟ ، فقلت : أسماء بنت عميس ، قال : ألم آمرك أن تخرجي ؟!! ، فقالت : بلى يا رسول الله ، وما قصدت خلافك ، ولكن كنت حضرت وفاة خديجة فبكت عند وفاتها ، فقلت لها: تبكين وأنت سيدة نساء العالمين ، وزوجة رسول الله ، ومبشرة على لسانه بالجنة ؟!! ، فقالت : ما لهذا بكيت ولكن المرأة ليلة زفافها لا بد لها من امرأة ، وفاطمة حديثة عهد بصبا ، وأخاف أن لا يكون لها مَن يتولى أمرها ،
فقلت لها : يا سيدتي ، لك عهد الله عليّ إن بقيت إلى ذلك الوقت أن أقوم مقامكِ في ذلك الأمر .

فبكى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وقال : فأسأل الله أن يحرسك من فوقك ، ومن تحتك ، ومن بين يديك ، ومن خلفك ، وعن يمينك ، وعن شمالك ، من الشيطان الرجيم .

وفاتها :

توفيت أسماء بنت عميس ( رضوان الله عليها ) في سنة أربعين للهجرة .


إسماعيل ( رضوان الله عليه ) ابن الإمام الصادق ( عليه السلام )

إسمه ونسبه :

إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ) .

الإسماعيلية :

كان إسماعيل أكبر أبناء الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، وكان يحبه حبّاً شديداً ، ويبرُّ به ، ويشفق عليه ، ولذلك كان قوم من الشيعة يظنون أنه الإمام بعد أبيه .

وروي أن الإمام الصادق ( عليه السلام ) كان قد جزع عليه جزعاً شديداً ، وحزن عليه حزناً عظيماً عندما مات ( رضوان الله عليه ) .

وكان يكشف عن وجهه وينظر إليه – قبل دفنه – يريد بذلك تحقيق أمر وفاته عند الذين كان يظنون بأنه الإمام من بعده ( عليه السلام ) لإزالة الشبهة عنهم .

لكن شرذمة قالوا بإمامة إسماعيل ( رضوان الله عليه ) ، واعتقدوا بأنه لم يَمُتْ ، وسُمَّوا بفرقة الإسماعيلية ، أو السبعية .

باعتبار أنهم خالفوا الإثني عشرية في الإمام السابع ، وهذه الفرقة موجودة في العالم الإسلامي إلى وقتنا الحاضر .

وفاته :

توفي إسماعيل ( رضوان الله عليه ) سنة ( 133 هـ ) في منطقة العُريض ، قرب المدينة المنورة ، وذلك في حياة أبيه الإمام الصادق ( عليه السلام) .

ودُفن في مقبرة البقيع ، وقد كانت على مرقده الشريف قبة هدمها الوهابيون عند استيلائهم على المدينة .


أم حبيبة ( رضوان الله عليها ) زوجة النبي ( صلى الله عليه وآله )

اسمها وكنيتها :

اسمها رملة بنت أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس ، وتكنى بـ ( أم حبيبة ) ، وهي بكنيتها أشهر من اسمها .

وكان إسلامها في وقت مبكر من ظهور الدعوة الإسلامية .

زواجها من النبي ( صلى الله عليه وآله ) :

كانت أم حبيبة قد تزوجت من عبيد الله بن جحش ، وخرج معها مهاجراً إلى أرض الحبشة مع المهاجرين ، لكنه تنصَّر هناك ومات نصرانياً .

أما أم حبيبة فقد أبت أن تتنصر وثبتها الله سبحانه على الإسلام والهجرة حتى رجعت إلى المدينة المنورة .

ثم بعد ذلك خطبها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وكانت قد هاجرت مع مَن هاجر إلى الحبشة ، وبقيت ثابتة على إيمانها وعقيدتها لا تتزحزح ولا تأخذها في الله لومة لائم .

وعندما جاء الإسلام جعل رابطة الدين والعقيدة فوق كل الروابط التي تجمع بين الناس ، مثل : الروابط الإقليمية ، والوطنية ، والقومية وأمثالها .

ولأم حبيبة ( رضوان الله عليها ) موقف عملي جسّد هذه المعاني ، وهذا الموقف كان مع أقرب الناس إليها دماً ، وهو أبوها ( أبو سفيان ) يوم أن كان مشركاً ، وجاء إلى المدينة ليرمّم ما أفسدته قريش في نقضها لصلح الحديبية ، فدخل على ابنته أم حبيبة ، فلما ذهب ليجلس على فراش النبي ( صلى الله عليه وآله ) طَوَته عنه ، فقال : يا بنيّة ، ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش ، أم رغبت به عني ؟ قالت : بل هو فراش رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وأنت رجل مشرك نجس ، فلم أحب أن تجلس عليه ، قال : والله لقد أصابك بعدي شرّ .

أما عن إيمان أم حبيبة ونقاء سجيتها ، فقد روي أن عائشة قالت : دعتني أم حبيبة عند موتها وقالت : قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضرائر ، فتحللينني من ذلك فحللتها ، واستغفرت لها ، فقالت لي ، سررني سرَّك الله ، وأرسلت إلى أم سلمة بمثل ذلك .

وأخيراً :

أن أم حبيبة روت عشرات الأحاديث عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، كما روى عنها الكثير من الصحابة .

وفاتها :

جاء في كتاب الاستيعاب ما ملخصه : توفيت أم حبيبة ( رضوان الله عليها ) سنة أربع وأربعين للهجرة ، وهي السنة التي ادّعى فيها معاوية أن زياد بن أبيه أخوه .


أم سلمة ( رضوان الله عليها ) زوجة النبي ( صلى الله عليه وآله )

اسمها ونسبها :

اسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشية ، زوج النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأم المؤمنين .

زواجها من النبي ( صلى الله عليه وآله ) :

عندما توفي زوج أم سلمة وبعد انقضاء عدتها خطبها أبو بكر ، فلم توافق على الزواج منه ، فبعث النبي ( صلى الله عليه وآله ) أبا بكر يخطبها عليه فوافقت ، وتم زواجهما سنة أربع وقيل سنة ثلاث للهجرة النبوية .

سيرتها :

كانت أم سلمة ( رضوان الله عليها ) من أعقل النساء وكانت لها أساليب بديعة في استعطاف النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وأدب بارع في مخاطبته وطلب الحوائج منه .

ومن صفاتها أنها كانت فقيهة عارفة بغوامض الأحكام الشرعية ، حتى أن جابر بن عبد الله الأنصاري كان يستشيرها ويرجع إلى رأيها .

وكانت موصوفة بالجمال ، والعقل البالغ ، والرأي الصائب ، واقتراحها على النبي ( صلى الله عليه وآله ) يوم الحديبية يدل على نضوج عقلها وصواب رأيها.

أم سلمة وآية التطهير :

جاء في كتاب مجمع البيان للطبرسي : قالت أم سلمة أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان في بيتها ، فأتته فاطمة ( عليها السلام ) ببُرمة [ البرمة : قدر مصنوع من الحجر ] فيها حريرة [ الحريرة : السكر مع النشأ المطبوخ ] فقال لها: ادعي زوجك وابنيك [ علي والحسن والحسين ( عليهم السلام ) ] ، فأكلوا منها ثم ألقى عليهم كساءً له خيبريا فقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي وعترتي .. ثم قالت أم سلمة : فأنزل الله تعالى :

( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنكُم الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرُكُم تَطهِيراً ) .

فقلت يا رسول الله وأنا معهم ؟ قال : أنت إلى خير .

موقفها من أبي بكر :

عندما حرم أبو بكر حق الزهراء ( عليها السلام ) في فدك ، قامت أم سلمة في مجلس أبي بكر وقالت له : با أبا بكر ، كيف اعتقدت أن ميراث النبي ( صلى الله عليه وآله ) حرام ؟ وأنه لم يوصِ بذلك ؟!! مع العلم أن الله عزَّ وجل أمره في القرآن الكريم بإنذار عشيرته الأقربين ، مهلاً يا أبا بكر ، فإن رسول الله مطلع على أعمالك ، وسيكون خصيمك في يوم الحساب ، وسترى نتيجة أفعالك .

وعلى أثر هذا الموقف أمر أبو بكر بإيقاف إعطاء أم سلمة من بيت المال لمدة سنة واحدة .

ولاؤها لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) :

جاء في كتاب أعيان الشيعة : لما سار علي ( عليه السلام ) إلى البصرة لحرب الجمل ، دخل على أم سلمة زوج النبي ( صلى الله عليه وآله ) يودعها ، فقالت : سِر في حفظ الله وفي كنفه ، فوالله إنك لعلى الحق والحق معك ، ولولا أني أكره أن أعصي الله ورسوله فإنه أمرنا أن نقر في بيوتنا لسرتُ معك ، ولكن والله لأرسلن معك من هو أفضل عندي وأعز عليّ من نفسي إبني عمر .

روايتها للحديث :

روت أم سلمة أحاديث كثيرة عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، كما روت عن فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) ، وغيرها من الصحابة والتابعين .

وكنموذج لما روته أم سلمة عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ننقل الحديث الشريف الآتي :

( علي مع القرآن والقرآن مع علي لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ) .

وفاتها :

هناك روايتان في وفاة أم سلمة ( رضوان الله عليها ) : الأولى : أنها توفيت في شوال سنة ( 59 هـ ) ، والثانية : أنها توفيت آخر سنة ( 61 هـ ) .


أم فروة ( رضوان الله عليها ) زوجة الإمام الباقر ( عليه السلام )

إسمها ونسبها :

فاطمة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر ، وهي أم الإمام الصادق ( عليه السلام ) وزوجة الإمام الباقر ( عليه السلام ) .

سيرتها :

كانت أم فروة امرأة مؤمنة ، تقية ، محسنة ، كما وصَفَها الإمام الصادق
( عليه السلام ) .

وروي عنها أنها قالت :

إني لأدعو الله لمذنبي شيعتنا في اليوم والليلة ألف مرة ، لأنا نحن فيما ينوبنا من الرزايا نصبر على ما نعلم من الثواب ، وهم يصبرون على ما لا يعلمون .

وقال المسعودي في كتاب إثبات الوصية :

كانت أم فروة بنت القاسم من أتقى نساء زمانها ، وَرَوَتْ عن علي بن الحسين ( عليه السلام ) أحاديث .

وفاتها :

لم نعثر على تاريخ وفاتها .


السيدة أم كلثوم بنت الإمام أمير المؤمنين( عليهما السلام )

اسمها ونسبها :

هناك رأيان في السيّدة أم كلثوم بنت الإمام علي ( عليه السلام ) :

1ـ إنّ لفاطمة الزهراء ( عليها السلام ) بنتاً واحدة لا أكثر ، تسمّى بالسيّدة زينب ( عليها السلام ) وتكنّى بأم كلثوم .

2ـ إنّ لفاطمة الزهراء ( عليها السلام ) بنتان لا بنتاً واحدة .

أحدهما : تسمّى بزينب ( عليها السلام ) ، أو تسمّى بزينب الكبرى .

وثانيهما : تسمّى بأم كلثوم ، أو تسمّى بزينب الصغرى وتكنّى بأم كلثوم ، والرأي الثاني هو المشهور عند علمائنا .

ولادتها ونشأتها :

ولدت السيّدة أم كلثوم ( عليها السلام ) في السنة السابعة من الهجرة ، ونشأت في حجر الزهراء ( عليها السلام ) ، وتأدّبت بآداب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ونمت برعاية الحسن والحسين ( عليهما السلام ) .

وكانت السيّدة أم كلثوم ( عليها السلام ) مع أخيها الإمام الحسين ( عليه السلام ) بكربلاء ، ومع الإمام السجاد ( عليه السلام ) إلى الشام ، ثمّ إلى المدينة .

وقد شاركت أختها زينب الكبرى ( عليها السلام ) في جميع الأحداث والمصائب ، وهي التالية لشقيقتها فضلاً وسنّاً وفصاحة وبلاغة .

زواجها من عمر بن الخطّاب :

في الأخبار أنّ عمر بن الخطّاب تزوّجها غصباً ، كما في الحديث الوارد عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) في تزويجها قال : ( إنّ ذلك فرج غصبناه ) ، وأنكر جمع من العلماء والمحقّقين ذلك الزواج ، وأنّ الإمام علي ( عليه السلام ) أرسل إلى عمر جنية من أهل نجران تمثّلت في مثال أم كلثوم .

دفاعها عن أبيها ( عليه السلام ) :

لما بلغ عائشة نزول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بذي قار كتبت إلى حفصة بنت عمر : أمّا بعد ، فلمّا نزلنا البصرة ، ونزل علي بذي قار ، والله داق عنقه كدق البيضة على الصفا ، إنّه بمنزلة الأشقر ، إن تقدّم نحر ، وإن تأخّر عقر .

فلمّا وصل الكتاب إلى حفصة استبشرت بذلك ، ودعت صبيان بني تيم وعدي وأعطت جواريها دفوفاً وأمرتهن أن يضربن بالدفوف ، ويقلن : ما الخبر ، ما الخبر ، علي كالأشقر ، بذي قار ، إن تقدّم نحر ، وإن تأخّر عقر .

فبلغ أم سلمة ( رضوان الله عليها ) اجتماع النسوة على ما اجتمعن عليه من سب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، والمسرّة بالكتاب الوارد عليهن من عائشة ، فبكت وقالت : أعطوني ثيابي حتّى أخرج إليهن وأوقع بهم .

فقالت أم كلثوم ( عليها السلام ) : أنا أنوب عنك ، فإنّني أعرف منك ، فلبست ثيابها وتنكّرت وتخفّرت ، واستصحبت جواريها متخفّرات ، وجاءت حتّى دخلت عليهن كأنّها من النضارة ، فلمّا رأت إلى ما هن فيه من العبث والسفه ، كشفت نقابها وأبرزت لهن وجهها ، ثمّ قالت لحفصة : إن تظاهرت أنت وأختك على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فقد تظاهرتما على أخيه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من قبل ، فأنزل الله عز وجل فيكما ما أنزل ، والله من وراء حربكما .

وأظهرت حفصة خجلاً وقالت : إنّهن فعلن هذا بجهل ، وفرّقتهن في الحال .

حضورها في كربلاء :

هناك عدّة أمور تثبت حضورها ووجودها ( عليها السلام ) في كربلاء منها :

1ـ إنّ الإمام الحسين ( عليه السلام ) لما نظر إلى اثنين وسبعين رجلاً من أهل بيته صرعى ، التفت إلى الخيمة ونادى : ( يا سكينة ، يا فاطمة ، يا زينب ، يا أم كلثوم ، عليكن منّي السلام … ) .

2ـ إنّ الإمام الحسين ( عليه السلام ) أقبل على أم كلثوم ، وقال لها : ( أوصيك يا أخية بنفسك خيراً ، وإنّي بارز إلى هؤلاء القوم ) .

3ـ بعد مصرع الإمام الحسين ( عليه السلام ) أقبل فرسه إلى الخيام ، فلمّا نظر أخوات الحسين ( عليه السلام ) وبناته وأهله إلى الفرس ليس عليه أحد رفعن أصواتهن بالبكاء والعويل ، ووضعت أم كلثوم يدها على أم رأسها ونادت : وا محمّداه ، وا جدّاه ، وا نبيّاه ، وا أبا القاسماه ، وا علياه ، وا جعفراه ، وا حمزتاه ، وا حسناه ، هذا حسين بالعراء ، صريع بكربلا ، مجزوز الرأس من القفا ، مسلوب العمامة والرداء … .

4ـ صار أهل الكوفة يناولون الأطفال الذين على المحامل بعض التمر والخبز والجوز ، فصاحت بهم أم كلثوم وقالت : يا أهل الكوفة ، إنّ الصدقة علينا حرام ، وصارت تأخذ ذلك من أيدي الأطفال وأفواههم ، وترمي بها إلى الأرض .

5ـ قال مسلم الجصاص : والناس يبكون على ما أصابهم ، ثمّ إنّ أم كلثوم أطلعت رأسها من المحمل وقالت لهم : صه يا أهل الكوفة ، تقتلنا رجالكم ، وتبكينا نساؤكم ! والحاكم بيننا وبينكم الله يوم فصل القضاء .

خطبتها ( عليها السلام ) :

خطبت السيّدة أم كلثوم ( عليها السلام ) في مجلس عبيد الله بن زياد بالكوفة ، وهي خطبة معروفة وفي الكتب مسطورة , بقولها : يا أهل الكوفة ، سوأة لكم ، ما لكم خذلتم حسيناً وقتلتموه ، وانتهبتم أمواله وورثتموه ، وسبيتم نساءه ونكبتموه ! فتباً لكم وسحقاً .

ويلكم أتدرون أي دواه دهتكم ، وأي وزر على ظهوركم حملتم ، وأي دماء سفكتموها ، وأي كريمة أصبتموها ، وأي صبية سلبتموها ، وأي أموال انتهبتموها ؟ قتلتم خير رجالات بعد النبي ، ونزعت الرحمة من قلوبكم ، ألا إنّ حزب الله هم الفائزون ، وحزب الشيطان هم الخاسرون … .

قال الراوي : فضجّ الناس بالبكاء والنوح ، ونشر النساء شعورهن ، ووضعن التراب على رؤوسهن ، وخمشن وجوههن ، وضربن خدودهن ، ودعون بالويل والثبور ، وبكى الرجال ونتفوا لحاهم ، فلم ير باكية وباك أكثر من ذلك اليوم .

شعرها حين رجوعها من الشام :

إنّ أم كلثوم ( عليها السلام ) حين توجّهت إلى المدينة جعلت تبكي وتقول :

مدينـة جـدّنا لا تقبليـنا  **  فبالحسرات والأحزان جينا

ألا فاخبر رسول الله عنّا  **  بأنّا قد فجعـنا فـي أبيـنا

ومن جملتها :

مدينـة جـدّنا لا تقبليــنا  **  فبالحسرات والأحزان جينا

خرجنا منك بالأهليـن جمعاً  **  رجعنا لا رجال ولا بنيـنا

وكنّا في الخروج بجمع شمل  **  رجعنا خاسـرين مسلبينا

وكنّا في أمـان الله جهـراً  **  رجعنا بالقطيعة خائفيـنا

ومولانا الحسين لنا أنيـس  **  رجعنا والحسين به رهينا

فنحن الضـائعات بلا كفيل  **  ونحن النائحات على أخينا

ألا يا جدّنا قتلـوا حسـيناً  **  ولم يرعـوا جناب الله فينا

ألا يا جـدّنا بلغت عـدانا  **  مناها واشتفى الأعداء فينا

لقد هتكوا النساء وحملوها  **  على الأقتاب قهراً أجمعينا

 وفاتها ( عليها السلام ) :

توفّيت ( عليها السلام ) بالمدينة المنوّرة بعد رجوعها مع السبايا من الشام بأربعة أشهر وعشرة أيّام .


أولاد مسلم بن عقيل ( عليه السلام )

قتل في واقعة الطف مع الإمام الحسين ( عليه السلام ) وأهل بيته يوم عاشوراء :

1 – محمد بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب ، وأمه أم ولد .

2 – عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب ، وأمه رقية بنت علي بن أبي طالب (عليه السلام) .

وبعد قتل الإمام الحسين ( عليه السلام ) فرّ غلامان صغيران لمسلم بن عقيل في الصحراء ، وبعد رحيل الأسارى والنساء عثر على الغلامين فأرسلا إلى عبيد الله بن زياد فأمر بسجنهما والتضييق عليهما .

وكان السجان يأتيهما بقرصين من شعير وكوز ماء مساء كل يوم ، ومكثا مدة عام تـقريباً على هذه الحالة .

وذات ليلة فرا من السجن ، وبعد أن أنهكهما التعب وجنهما الليل انتهيا إلى عجوز على باب ، فقالا لها : يا عجوز ، إنا غلامان صغيران غريبان ، غير خبيرين بالطريق فهل تضيفيننا هذه الليلة ؟

فقالت العجوز : فمن أنتما ؟ قالا :

نحن من عترة نبيك محمد ( صلى الله عليه وآله ) هربنا من سجن عبيد الله بن زياد ومن القتل .

فقالت : إن لي ختـناً فاسقاً قد شهد واقعة الطف مع عبيد الله بن زياد ، أتخوّف أن يصيبكما هنا فيقتلكما ، قالا : سواد ليلتنا هذه ، فآوتهما .

ولما علم عبيد الله بن زياد بخبر هروبهما بعث جلاوزته للتفتيش عنهما وجعل ألف دينار لمن يأتي برأس أحدهما وألفي دينار لمن يأتي برأسيهما .

انطلقت الجلاوزة للتفتيش وكان ختن العجوز من ضمنهم ، ولما عجز وأسدل الليل ظلامه ورجع إلى منزله وعثر على الغلامين في البيت ، فقال لهما : من أنتما ؟

قالا له : يا شيخ إن نحن صدقناك فلنا الأمان ؟

قال : نعم ، قالا : أمان الله وأمان رسوله ، وذمة الله وذمة رسوله (صلى الله عليه وآله)؟

قال : نعم ، قالا : ومحمد بن عبد الله على ذلك من الشاهدين ؟

قال : نعم ، قالا : والله على ما نقول وكيل وشهيد ؟

قال : نعم ، فقالا : نحن من عترة نبيك محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، هربنا من سجن عبيد الله زياد من القتل .

فقال لهما : من الموت هربتما وإلى الموت وقعتما ، فكتـفهما حتى الصباح ، وفي الصباح أرسلهما مع عبد أسود يقال له ( فُلـَيح ) وأمره بقتلهما على شاطئ الفرات وجلب رأسيهما ليحضى بجائزة عبيد الله بن زياد .

فقالا له : ياشيخ ، بعنا واستـفد بثمننا ولا تقتلنا وتلقى رسول الله بدمنا ، فامتنع .

فقالا : ابعثنا إلى عبيد الله بن زياد واستلم جائزتك منه ، فلم يقبل ، وتوسلا به كثيراً فلم ينفع وأمر العبد بالذهاب إلى شاطيء الفرات ليقتلهما .

فقالا : الله يحكم بيننا وبينك وهو خير الحاكمين .

ولما سارا مع العبد وعلم العبد أنهما من عترة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) امتنع عن قتلهما وعبر النهر إلى الجانب الآخر ، فجاء ختن العجوز ومعه السيف ، وقتل الطفلين على شاطيء الفرات بعد أن صليا ركعتين لوجه الله .

ورمى بجثتيهما في الفرات ، ووضع رأسيهما في جراب له وأتى بهما الى عبيد الله بن زياد وهو جالس على كرسي له وبيده قضيب خيزران ، فوضع الرأسين بين يديه ، فلما نظر إليهما ، قام ثم قعد ثلاثاً ، ثم قال :

الويل لك ، أين ظفرت بهما ؟

قال : أضافتهما عجوز لنا ، قال : فما عرفت لهما حق الضيافة ؟ قال : لا ، قال : فأي شيء قالا لك ؟

قال : قالا لي : كيت وكيت ، وقص عليه ما دار بينهم .

فقال عبيد الله بن زياد : فإن أحكم الحاكمين قد حكم بينكم ، من للفاسق ؟

فانتدب له رجل من أهل الشام ، فقال : أنا له ، قال عبيد الله : انطلق به إلى الموقع الذي قتل فيه الغلامين ، فاضرب عنقه ، ولا تترك أن يختلط دمه بدمهما وعجل برأسه ، ففعل الرجل ذلك وجاء برأسه فنصبه على قناة ( رمح ) فجعل الصبيان يرمونه بالنبل والحجارة وهم يقولون :

هذا قاتل ذرية رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .


جعدة بن هبيرة المخزومي ( رضوان الله عليه ) ابن أخت الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام )

إسلامه :

أسلم جعدة بن هبيرة بعد فتح مكة ( 8 هـ ) ، وكانت أمه ( أم هاني ) أخت الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) .

صفاته :

اكتسب جعده من خاله أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بعض الصفات ، منها أنه كان خطيباً بليغاً ، وعالماً شجاعاً ، حتى أن عتبة بن أبي سفيان قال له في إحدى المرات : إن شجاعتك وبطولتك قد ورثتها من خالك علي ( عليه السلام ) ، فقال له جعدة : نعم لو كان لك مثل هذا الخال لنسيت أباك – أي أبو سفيان – .

ولاؤه لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) :

كانت لجعدة علاقة خاصة بأمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وفي أيام خلافته كان جعدة والياً على خراسان ، ولشدة تعلقه به ( عليه السلام ) فقد كان على استعداد لبذل المال والنفس في سبيله .

وفي الوقت نفسه كان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يُبادله نفس المشاعر ، حتى أنه ( عليه السلام ) أوصى قبل استشهاده – لكي لا يطلع أحد على مكان قبره – بإعداد أربعة قبور ، الأول : في المسجد ، والثاني : في الرحبة ، والثالث : في الغري ، والرابع : في بيت جعده بن هبيرة .

وفاته :

توفي جعدة بن هبيرة في خلافة معاوية .


جعفر الطيار ( عليه السلام ) أخو الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام )

اسمه ونسبه :

جعفر بن أبي طالب الهاشمي القرشي ، المعروف بـ( جعفر الطيّار ) ، وأمُّه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف .

ويكنَّى بـ( أبي عبد الله ) ، وكنَّاه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بـ( أبي المساكين ) ، لأنّه كان يعطف على المساكين ، ويتفقَّدهم ، ويجلس معهم .

ولادته :

وُلد بمكّة قبل البعثة .

منزلته ومواقفه :

كان من السابقين إلى الإسلام ، فقد أسلم بعد إسلام أخيه أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) بقليل .

وهو ثاني من صلَّى مع رسول الله (صلى الله عليه وآله ) من الرجال ، في أوَّل جماعة عقدت في الإسلام .

وهاجر في السنة الخامسة من البعثة مع الدفعة الثانية التي هاجرت إلى الحبشة ، وكان جعفر على رأس المهاجرين ، وصحب معه زوجته أسماء بنت عميس .

لمنزلته العظيمة ودوره الكبير في نشر الإسلام وتبليغه ، ضرب له رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يوم بدرٍ سهماً من الغنيمة ، حاله حال المقاتلة ، ولم يكن جعفر حاضراً فيها .

قدم على الرسول ( صلى الله عليه وآله ) في السنة السابعة من الهجرة ، حيث كان فتح خَيْبَر ، فاعتنقه الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وقال : ( مَا أدري بأيِّهما أنا أشدُّ حرصاً ، بقدوم جعفرٍ ، أم بِفَتحِ خَيْبَر ) .

ولقِب بـ( ذي الهِجْرَتين ) ، لأنّه هاجر من مكّة إلى الحبشة ، ومنها إلى المدينة ، حيث أنزله رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلى جنب المسجد ، واختار له منزلاً هناك .

شهادته :

أمَّره رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) على جيش المسلمين في غزوة مُؤْتَة ، فإن قُتِلَ فزَيد بن حارثة ، فإن قُتِل – زيد بن حارثة –  فعبدُ الله بن رَوَاحة .

فقطعت يده اليمنى ، فقاتل ( رضوان الله عليه ) باليسرى حتّى قطعت ، فَضُرِبَ وسطه .

فسقطَ ( رضوان الله عليه ) شهيداً مضرَّجاً بدمه ، وكان ذلك في اليوم العاشر من شهر جمادى الثاني عام ( 8 هـ ) ، ودُفِن في مؤتة ، وهي قرية من قرى البلقاء في حدود الشام ، وله مزار معروف هناك .

حزن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لوفاته حزناً شديداً ، وبكى عليه وقال : ( عَلَى مِثلِ جعفَرٍ فَلتَبكِ البَواكي ) .

وقال فيه ( صلى الله عليه وآله ) يصف فيه خصال جعفر : ( إنَّ خُلُقك خُلُقي ، وأشبَهَ خَلقك خَلقي ، فأنتَ مِنِّي ومن شجرتي ) .

وقال ( صلى الله عليه وآله ) لما قُتِل جعفر : ( إنَّ اللهَ أبدَلَهُ بيديه جناحَين ، يطيرُ بِهِما في الجنَّة حيثُ شَاء ) .


الحسن ( رضوان الله عليه ) ابن الإمام الحسن ( عليه السلام )

إسمه ونسبه :

الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ) الهاشمي القرشي .

وأمه خولة بنت منظور الفزارية .

سيرته :

كان الحسن جليلاً ، رئيساً ، فاضلاً ، وَرِعاً ، وكان يلي صدقات أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في وقته .

وكان قد حضر عمَّه الإمام الحسين ( عليه السلام ) في واقعة الطف ، فلمَّا قُتل الإمام الحسين ( عليه السلام ) وأُسِّر الباقون من أهله جاءه أسماء بن خارجة ، فانتزعه من بين الأسرى وقال :

والله لا يوصل إلى ابن خولة أبداً .

فقال عُمَر بن سعد : دعوا لأبي حسان ابن أخته ، وهكذا أُخلي سبيله .

وروي أنه كان به جراح قد أُشفي منها .

روايته للحديث :

روى كثير من الأحاديث الشريفة عن جدِّه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بواسطة أبيه الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، وعن فاطمة بنت الحسين ، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب ( عليه السلام ) .

وكمثال نروي الحديث النبوي الشريف الذي رواه الحسن عن جدِّه ( صلى الله عليه وآله ) أنه قال :

( حَيثُما كُنتُم فَصَلُّوا عَليَّ ، فَإِنَّ صَلاتَكُم تَبلُغَنِي ) .

وقد روى عن الحسنِ ابنُه عبد الله ، وابن عمه الحسن ابن محمد بن الحنفية ، وهناك غيرهم .

وفاته :

قيل : توفي الحسن ( رضوان الله عليه ) في سنة ( 97 هـ ) .

وفي إرشاد الشيخ المفيد :

قُبِضَ الحسن ( رضوان الله عليه ) بن الحسن ( عليه السلام ) وله خمس وثلاثون سنة .


الحسين بن زيد بن الامام زين العابدين ( عليهم السلام )

ولادته :

ولد الحسين بالشام سنة مائة واربع عشرة ، هذا على رأي وعلى الرأي الآخر أنه ولد سنة مائة وسبع عشرة ، وكُنّي أبو عبد الله وأبو عاتقة ، ولُقِّب بذي الدمعة والعبرة لكثرة بكائه .

نشأته :

نشأ في حِجر الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) ، واستفاد منه عِلماً كثيراً وأدباً جماً ، ونال بسببه خيراً شاملاً .

وحدث النجاشي وابن داود بترجمتهما : أن الإمام الصادق ( عليه السلام ) زوجه أم كلثوم بنت محمد بن عبد الله الأرقط ، وكانت ذات جمال ومال وخدم ، فحسنت حاله ببركة الإمام الصادق ( عليه السلام ) وصار معدوداً في أهل الثروة والمال .

من ذلك يمكننا أن نستفيد حُسن مذهبه وموالاته للإمام الصادق ( عليه السلام ) ، و اعترافه بإمامة الإمام الكاظم بعد أبيه الصادق ( عليهما السلام) وأنه الحجة على الناس ، لا يضل من تبعه ، ولا يهتدي مَن خالفه .

ويرشدنا أيضاً إلى عدم جهله بالمستحق للإمامة من بعد الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ، وكيف لا يعرف المستحق للإمامة مَن كان متربّياً في حِجر الإمام الصادق ( عليه السلام ) ومتخرجاً من مدرسته ، وقد استفاد من علومه ومعارفه ؟! .

الرواية عنه :

ولفضله الجم ، وأدبه الكثير ، التَفَّ حوله جماعة من حَمَلة الحديث وحَفَظة الآثار ، وأخذوا عنه مكارم الأخلاق ، ومحاسن الصفات ، وعلل الأحكام .

وفي مستدرك الحاكم روي عنه حديث :

( إن الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها ) .

وأما روايته للحديث ، فعن الإمام الصادق والإمام الكاظم ( عليهما السلام ) :

( فلا وقفة لعلماء الرجال في الأخذ بأحاديثه ، وتصديقه فيما يُحدث به ) ، لذلك أخرجوا أحاديثه في صحاحهم .

وفاته :

تُوفي الحسين بن زيد بن الإمام زين العابدين ( عليهم السلام ) سنة مائة وخمس وثلاثين ، أو مائة وأربعين .


حليمة السعدية ( رضوان الله عليها ) مرضعة النبي ( صلى الله عليه وآله )

نسبها :

حليمة بنت عبد الله بن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصرة بن فصية بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيسا بن عيلان ، من قبيلة بني سعد بن بكر ، من بادية الحديبية بالقرب من مكة .

قصة الرضاعة :

كانت عادة الأشراف من العرب أن ترسل بأولادها إلى البادية للارتضاع ، حتى يشب الولد وفيه طهارة الجو الطلق ، وفصاحة اللغة البدوية ، التي لم تشبها رطانة الحضر المختلط من صنوف مختلفة ، وشجاعة القبائل التي لا تعرف جبناً بواسطة قيود المدينة ، وصفاء النفس التي تشمل انطلاق الصحراء ، وهكذا ارتأى جدُّ الرسول ( صلى الله عليه وآله ) عبد المطلب .

وجرياً وراء هذه العادة ، كانت نساء القبائل تأتي في كل سنة إلى مكة المكرمة لتأخذ أبناء الأشراف ، وذوي المناصب والجاه .

فأمر عبد المطلب أن يؤتى بالمرضعات ، ليختار منهن واحدة ، لحفيده الميمون ، فأتت النساء تسعى إلى عبد المطلب ، لتنال هذا الشرف الذي فيه مفخرة إرضاع هاشمي والنيل من رفد زعيم مكة .

فلم يقبل الوليد – وهو النبي ( صلى الله عليه وآله ) – ثدي أية امرأة منهنَّ ، فَكُنَّ يرجعن بالخيبة ، وكأن الله سبحانه وتعالى لم يشأ إلا أن ترضع النبي ( صلى الله عليه وآله ) امرأة طاهرة نقية .

وهكذا حتى انتهى الدور إلى امرأة شريفة عفيفة تسمى بـ ( حليمة السعدية ) .

فلما مَثُلَت بين يدي عبد المطلب سألها عن اسمها ، ولما أُخبر باسمها ، تفآءل وقال : حلم وسعد !! .

فأعطَوهَا النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وإذا به يلقم ثديها ويقبل على المص ببهجة وحبور .

ففرح الجميع لذلك ، وأخذوا يباركون الجدَّ والمرضعةَ .

وهناك عادت حليمة إلى قومها بخير الدنيا ، وسعادة الآخرة ، تحمل الوليد المبارك ، وشاءت الأقدار أن تَدُرَّ على قبيلة حليمة الخير والبركة ، بِيُمنِ هذا المولود الرضيع .

فكانت السماء تهطل عليهم بركة وسعة وفضلاً ، والوليد الرضيع ينمو نمواً مدهشاً على غير عادة أمثاله .

ويوماً بعد يوم تظهر في سماته آثار العز والجلال ، مما تُنبئ بمستقبل نير ، فكانت القبيلة تتعجب من هذا الرضيع .

وأخذ الطفل يَشبُّ وينمو ، ويقوى ويكبر ، وفي صباح كل يوم تقع عينا حليمة وعيون القبيلة على وجه وضاء مشرق .

أخبارها مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) :

لقد كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يكرم مرضعته حليمة السعدية ، ويتحفها بما يستطيع .

فعن شيخ من بني سعد قال : قدمت حليمة بنت عبد الله على رسول الله مكة ، وقد تزوج ( صلى الله عليه وآله ) خديجة ، فشكت جدب البلاد ، وهلاك الماشية ، فَكَلَّمَ رسولُ الله ( صلى الله عليه وآله ) خديجة ( رضوان الله عليها ) فيها ، فأعطتها أربعين شاة وبعيراً ، وانصرفت إلى أهلها ، وكانت المرة الثانية التي التقت فيها النبي ( صلى الله عليه وآله ) يوم حنين .

وفاتها :

توفيت حليمة السعدية ( رضوان الله عليها ) في المدينة المنورة ، ودفنت في البقيع .


حمزة بن عبد المطلب ( عليه السلام ) عمُّ النبي ( صلى الله عليه وآله )

إسمه ونسبه :

حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف .

ولادته :

ولد حمزة قبل ولادة النبي ( صلى الله عليه وآله ) بسنتين ، وقيل : بأربع سنوات .

إسلامه :

أسلم في السنة الثانية من البعثة ، وقيل بأربع سنين .

سيرته وجهاده :

روي أن حمزة بن عبد المطلب كان أخاً لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من الرضاعة .

وبعد أن أعلن حمزة إسلامه هاجر مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى المدينة المنورة ، وكان الرسول ( صلى الله عليه وآله ) قد آخى بينه وبين زيد بن حارثة .

وروي أن أول لواء عقده الرسول ( صلى الله عليه وآله ) في المدينة كان لحمزة ، إذ بعثه في سريَّة من ثلاثين راكباً لإعتراض قافلة فريش التي كانت قادمة في ثلاثمِائة راكب من الشام بقيادة أبي جهل ، ولم يقع قتال بين الطرفين ، فعادت سريَّة حمزة إلى المدينة .

وكذلك حمل حمزة في السنة الأولى من الهجرة لواء رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في غزوة بواط ، والأبواء ، وبني قينقاع .

وبالغ حمزة في نصرة النبي ( صلى الله عليه وآله ) في معركة بدر الكبرى ، وأبلى فيها بلاءً حسناً ، وقَتَل فيها سبعة من صناديد قريش .

قصة شهادته :

شهد حمزة بن عبد المطلب معركة أُحُد ، وله فيها صولات مشهودة .

ولأنه – كما أشرنا – قَتَل في بدر صناديد العرب فقد ترك اللوعة والأسى في قلوب مشركي مكة ، فأضمروا له الكيد وأخذوا ينتهزون الفُرَص للانتقام منه .

وكانت هذه بنت عتبة قد بعثت إلى وحشي بن حرب قبل معركة أُحُد ، وكان عبداً من أهل الحبشة .

فأغرته بالأموال إن هو قتل حمزة ، وذلك طلباً لثأر أبيها وأخيها اللذان قُتلا ببدر .

وكان وحشي مشهوراً برمي الحربة ، ولم تكن العرب آنذاك تعرف هذا السلاح الذي كان خاصاً بأهل الحبشة .

وتُسمى هذه الحربة عند العرب بـ ( المزراق ) ، وهي : عبارة عن رمح قصير .

فقال وحشي وهو في أرض أُحُد : إني والله لأنظر إلى حمزة وهو يهذ الناس بسيفه ، ما يلقى شيئاً يمر به إلا قتله .

فهززتُ حربتي ودفعتها عليه ، فوقعت في ثنته [ أسفل بطنه ] ، فخرَّ صريعاً ثم تنحَّيت عن العسكر .

بعد أن بلغ هند مقتل حمزة ( عليه السلام ) جاءت فَبَقَرَتْ كبدَهُ فَلاكَتْه ، فلم تستطع أن تَسِيغَه فَلَفِظَتْه .

ولما انتهت المعركة وُجد حمزة ( عليه السلام ) ببطن الوادي من الجبل وقد مُثِّل به .

وعندما رآه النبي ( صلى الله عليه وآله ) بكى ثم قال : لن أُصاب بمثلك ، ما وقفتُ موقفاً قَطّ أَغْيَظُ عَليَّ من هذا الموقف ، وأمر ( صلى الله عليه وآله ) به فَدُفِن .

وكانت شهادته ( عليه السلام ) في السنة الثالثة للهجرة النبوية المشرِّفة ، وقد رثاه النبي ( صلى الله عليه وآله ) بكلمات مؤثرة ، نذكر منها :

( يا عمَّ رسولِ الله ، وأسدَ الله ، وأسدَ رسولِ الله ، يا حمزةَ ، يا فاعل الخيراتِ ، يا حمزة ، يا كاشف الكُرُبَاتِ ، يا حمزة ، يا ذابّاً يا مَانِعاً عن وجه رسول الله .. ) .


حميدة المصفَّاة ( رضوان الله عليها ) أم الإمام الكاظم ( عليه السلام )

اسمها ولقبها :

قد اتفق المؤرخون وأصحاب السير على أن اسمها حميدة ، واختلفوا في ما لُقِّبت به .

فبعضهم لقبها بـ( المصفَّاة ) ، وآخرون بـ( البربرية ) ، وبـ( الأندلسية ) .

ففي عيون أخبار الإمام الرضا ( عليه السلام ) : وأمه – للإمام الكاظم ( عليه السلام ) – أم ولد يقال لها حميدة ، وهي أم أخويه إسحاق ومحمد ابنَي جعفر .

سيرتها :

كانت حميدة من التقيات ، الورعات ، الثُّقات ، العارفات ، حتى أن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال في حقها : ( مصفاة من الأدناس ، كسبيكة الذهب ، ما زالت الأملاك تحرسها حتى أُدِّيَت إليَّ كرامة من الله والحجة من بعدي ) .

وفي عيون أخبار الإمام الرضا ( عليه السلام ) : ( إن الإمام الصادق ( عليه السلام ) كان كلما أراد تقسيم حقوق أهل المدينة أعطاها لأمه أم فروة ، وزوجته حميدة المصفَّاة ) .

وهذا دليل واضح على وثاقتها ، واعتماد الإمام الصادق ( عليه السلام ) عليها.

زواجها من الإمام الصادق ( عليه السلام ) :

روى الأصحاب عدَّة روايات تتعلق بكيفية شرائها ، وزواجها من الإمام الصادق ( عليه السلام ) .

فروي عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) عندما دخلت عليه قال لها :

ما اسمك ؟

قالت : حميدة .

فقال : حميدة في الدنيا محمودة في الآخرة ، أخبريني عنك أَبِكرٌ أَم ثَيِّبٌ ؟

فقالت : بِكرٌ .

قال : كيف ، ولا يقع في يد النخَّاسين شيء إلا أفسدوه !؟

قالت : كان يجيء فيقعد مني مقعد الرجل من المرأة ، فيسلِّط الله عليه رجلاً أبيضَ الرأس واللحية ، فلا يزال يلطمه حتى يقوم عني .. .

فقال : يا جعفر ، خذها إليك ، فولدت له خير أهل الأرض الإمام موسى الكاظم ( عليه السلام ) .

وفاتها :

لم نعثر على تاريخ وفاتها ( رضوان الله عليها ) في كتب السير والتراجم ، إلا أن الثابت لدينا أنها عاصرت ثلاث أئمة من الأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) .

وهم : الإمام الباقر ( عليه السلام ) ، والإمام الصادق ( عليه السلام ) ، والإمام الكاظم ( عليه السلام ) .

وروت عن زوجها الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، وكذلك عن الصحابي أبي بصير ( رضوان الله عليه ) .


 خديجة بنت خويلد ( رضوان الله عليها ) زوجة النبي (صلى الله عليه وآله)

اسمها ونسبها :

اسمها خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العُزّى بن قصي القرشي الأسدية أم المؤمنين ، زوج النبي ( صلى الله عليه وآله ) .

زواجها من النبي ( صلى الله عليه وآله ) :

كانت خديجة ذات شرف ومال كثير ، وتجارة بينها وبين أهل الشام ، وكانت تستأجر الرجال وتدفع المال مضاربة ، فلما شاع في مكة لقب الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بـ ( الصادق الأمين ) أرسلت إليه خديجة ، فسألته الخروج إلى الشام في تجارتها ، فقبل النبي ( صلى الله عليه وآله ) .

فخرج إلى الشام فباع بضاعتها واشترى غيرها وعاد بها إلى مكة ، فربحت تلك البضاعة ربحاً وفيراً .

وقد شاء الله أن يتجه قلب خديجة نحو النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فعرضت عليه الزواج ، فقبل وتم زواجهما ، وعندها كان سن النبي ( صلى الله عليه وآله ) خمس وعشرون سنة .

إسلامها :

لا شك أن أول امرأة آمنت بدين النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) هي خديجة ( رضوان الله عليها ) .

فقد ورد عن ابن عباس أنه قال : أول مَن آمن برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من الرجال علي ( عليه السلام ) ومن النساء خديجة (رضوان الله عليها) .

صفاتها :

جاء في كتاب كشف الغمة أنه : كانت خديجة ( رضوان الله عليها ) امرأة حازمة لبيبة شريفة ومن أوسط قريش نسباً ، وأعظمهم شرفاً ، وأكثرهم مالاً ، وقد كانت آزرت زوجها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أيام المحنة فخفّف الله تعالى عنه بها .

وكان ( صلى الله عليه وآله ) لا يسمع شيئاً يكرهه من مشركي مكة من الرد والتكذيب إلا خففته عنه وهونته ، وبقيت هكذا تسانده حتى آخر لحظة من حياتها .

منزلتها :

لخديجة ( رضوان الله عليها ) منزلة عالية يغبطها عليها الملائكة المقربون ، حتى أن جبرئيل ( عليه السلام ) أتى إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) فقال : أقرء خديجة من ربها السلام ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ياخديجة ، هذا جبرئيل يُقرئك من ربك السلام ، فقالت خديجة : الله السلام ومنه السلام وعلى جبرئيل السلام .

أما عن فضائلها فإن القلم ليعجز عن ذلك ، وكفانا في هذا المجال الحديث النبوي الشريف : ( أفضل نساء أهل الجنة خديجة بن خويلد ، وفاطمة بنت محمد ، ومريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون) .

دورها الرسالي :

يمكن تقسيم دورها في دعم الرسالة الإسلامية إلى قسمين :

الأول :

ويشمل موقفها من النبي ( صلى الله عليه وآله ) عندما نزل عليه الوحي وطلب منه أن يقرأ الأية الكريمة :

( إِقرَأ باِسمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق )

، وأخبرها بذلك وقال لها : لقد خشيت على نفسي ، فقالت له : كلا والله ، ما يخزيك الله أبداً ، إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق .فقد آمنت به خديجة عندما كفر به الناس ، وصدقته عنما كذبه الناس .

الثاني :

ويشمل الدور الكبير الذي لعبته أموالها في دعم وإسناد الرسالة الإسلامية ، ولا يخفى ما للأموال من دور كبير في الوصول إلى أي هدف كان .

فقد أنفقت خديجة ( رضوان الله عليها ) أموالها في أيام تعرض المسلمون للاضطهاد والحصار الاقتصادي الذي فرضه مشركو مكة ، حتى أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : ( ما نفعني مال قط مثل ما نفعني مال خديجة ) .

وفاتها :

توفيت خديجة ( رضوان الله عليها ) في العاشر من شهر رمضان قبل الهجرة بثلاث سنين ، ودفنت في مكة بمقبرة الحجون .


الربَاب ( رضوان الله عليها ) بنت امرئ القيس زوجة الإمام الحسين ( عليه السلام )

إسمها ونسبها :

الرباب بنت امرئ القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن حليم بن خباب بن كلب الكلبية .

وهي زوجة سيد الشهداء الإمام الحسين ( عليه السلام ) .

أخبارها :

كانت الرباب من خيار النساء جمالاً وأدباً وعقلاً ، وأسلم أبوها في خلافة عُمَر ، وكان نصرانياً من عرب الشام ، فَوَلاَّه عُمَر على قومه من قضاعة.

وما أمسى حتى خطب إليه الإمام علي ( عليه السلام ) ابنته [ ابنة امرئ القيس ] الربَاب لابنه الحسين ( عليه السلام ) فزوَّجه إياها .

فولدت الربَاب للحسين سُكينةَ ( عليها السلام ) عقيلة قريش ، وعبدَ الله ( عليه السلام ) الذي قُتِل يوم الطف وأمُّه تنظر إليه .

وأحبَّ الحسين ( عليه السلام ) زوجته الرباب حباً شديداً ، وكان معجباً بها ، وكان ( عليه السلام ) يقول فيها الشعر .

وما قاله فيها وفي ابنته سكينة :

لَعَمرِكَ إنَّني لأُحِبُّ دَاراً

تِحِلُّ بِها سُكينة والربَابُ

أُحبُّهُمَا وأبذل جُلَّ مَالِـي

وَليس لِلائِمِي فيها عِتابُ

وَلَستُ لَهُم وإن عَتَبُوا مُطِيعاً

حَياتِي أو يُعَلِّينِي الترَابُ

ولما استُشهد الإمام الحسين ( عليه السلام ) في أرض كربلاء حزن عليه الربَاب حزناً شديداً ، حتى أنها أقامت على قبره سنة كاملة ثم انصرفت .

وفي تذكرة الخواص : أنها أخذت الرأس الشريف ووضعته في حجرها ، وقَبَّلَتْهُ وقالت :

وَاحُسَيناً فَلا نسيتُ حُسيناً

أَقْصَدَتْهُ أَسِنَّةُ الأعدَاءِ

غَادَرُوهُ بِكربلاءَ صَريعاً

لا سَقَى اللهُ جَانِبَيْ كَربلاءِ

وقالت في رثاء الحسين ( عليه السلام ) أيضاً :

إنَّ الذي كَان نوراً يُستَضَاءُ بِهِ

بِكَربلاءَ قتيلٌ غَير مَدفونِ

سِبطَ النَّبي جزاكَ اللهُ صالحةً

عَنَّا وجُنِّبتَ خُسرَانَ المَوازينِ

قَد كنتَ لِي جَبَلاً صعباً ألوذُ بِهِ

وكنتَ تَصحبُنَا بالرَّحمِ والدِّينِ

مَن لِليتَامَـى وَمَن للسَّائلينَ

يُغنِي ويُؤوِي إِليهِ كُلَّ مِسكينِ

واللهِ لا أبتغِي صِهراً بِصِهْرِكُمُ

حتَّى أُغَيَّبُ بين الرَّملِ والطينِ

وكان قد خطبها بعد استشهاد الإمام الحسين ( عليه السلام ) خلق كثير من الأشراف ، فقالت : ما كنت لأتخذ حَمْواً بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فو الله لا يؤويني ورجلاً بعد الحسين ( عليه السلام ) سقفٌّ أبداً .

وقال الشيخ المامقاني في كتابه ( تنقيح المقال ) : يُعتَمَدُ على روايتها غايةُ الاعتماد .


زيد بن الإمام زين العابدين ( عليه السلام )

ولادته :

وُلد زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ) بالمدينة المنوّرة ، بعد طلوع الفجر سنة ست وستين ، أو سبع وستين من الهجرة .

صفاته :

كان تام الخلق ، طويل القامة ، جميل المنظر ، أبيض اللون ، وسيم الوجه ، واسع العينَين ، مقرون الحاجبيَن ، كَثُّ اللحية ، عريض الصدر ، بعيدُ ما بين المنكبين ، دقيق المسربة ، واسع الجبهة ، أقنى الأنف ، أسود الرأس واللحية ، إلاّ أنّ الشيب خالط عارضَيه .

وكان الوابشي يقول : إذا رأيت زيد بن علي رأيت أسارير النور في وجهه .

علمه ومناظراته :

نشأ في حجر أبيه الإمام السجاد ( عليه السلام ) ، وتخرّج على يده وعلى يد الإمامين الباقر والصادق ( عليهما السلام ) ، ومنهم أخذ لطائف المعارف وأسرار الأحكام ، فأفحم العلماء وأكابر المناظرين من سائر الملل والأديان .

وكان عنده ما تحمله آباؤه الهداة من سرعة الجواب والوضوح في البيان ، ممزوجاً ببراعة في الخطاب ، فبلغ من ذلك كلّه مقاماً لم يترك لأحدٍ مُلتحَداً عن الإذعان له وبالنبوغ ، حتّى أنّك تجد المتنكبين عن خطّة آبائه ( عليهم السلام ) لم تدع لهم الحقيقة من ندحة عن الاعتراف بفضله الظاهر .

فهذا أبو حنيفة يقول : شاهدت زيد بن علي كما شاهدت أهله ، فما رأيت في زمانه أفقَه منه ولا أسرع جواباً ولا أبيَن قولاً .

وممّن عثرنا على كلامه من أصحابنا الإمامية كأبي إسحاق السبيعي ، والأعمش ، والشيخ المفيد ، وميرزا عبد الله ، المعروف بالأفندي ، وكذلك أبو الحسن العمري ، والسيّد علي خان ، والحر العاملي ، والمحدّث النوري وجدناه مصرّحاً بفضله في العلم وتبصُّره بالمناظرات .

وحدّث خالد بن صفوان قال : أتينا زيد بن علي ( عليه السلام ) وهو يومئذ بالرصافة ، فدخلنا عليه في نفر من أهل الشام وعلمائهم ، وجاءوا برجل قد انقاد له أهل الشام في البلاغة والنظر في الحجج ، وكلَّمنا زيدَ بن علي ( عليه السلام ) في الجماعة وقلنا : إنّ الله مع الجماعة ، وإنّ أهل الجماعة حجّة الله على خلقه ، وإن أهل القِلّة هم أهل البدع والضلالة .

فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمّد وآله ، وتكلّم بكلام ما سمعتُ قرشياً ولا عربياً أبلغَ موعظةً ، ولا أظهر حُجّةً ، ولا أفصح لهجة منه .

ثمّ أخرج كتاباً قاله في الجماعة والقِلة ذكر فيه مِن كتاب الله ما يذم الكثير ويمدح القلّة ، وأنّ القليل في الطاعة هم أهل الجماعة ، والكثير في المعصية هم أهل البدع ، فأُفحم الشاميُّ وانخذل الشاميون فما أجابوا بقليل ولا كثير ، وخرجوا من عنده صاغرين منكِّسين رؤوسهم حياء وخجلاً .

ثمّ أقبلوا على صاحبهم يعذلونه ويقولون : زعمتَ أنّك لا تدع له حُجةً إلاّ رددتَها وكسرتها ، حتّى إذا تكلّم خرست ، فما تنطق بقليل ولا بكثير .

فقال : وَيلَكم ، كيف أكلّم رجلاً حاججني بكتاب الله ، أفأستطيع أن أرد كلام الله تعالى ؟! فكان خالد بن صفّوان يقول بعد ذلك : ما رأيت رجلاً في الدنيا قرشياً ولا عربياً يزيد في العقل والحجج على زيد بن علي ( عليه السلام ) .

مؤلفاته :

له مؤلّفات كثيرة ، نذكر منها :

1ـ المجموع الفقهي .

2ـ المجموع الحديثي .

3ـ تفسير غريب القرآن .

4ـ إثبات الوصية .

5ـ قراءة جدّه علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) .

6ـ كتاب ( مدح القلة وذم الكثرة ) .

7ـ منسك الحج .

مدرسته :

يظهر لكل من نظر في جوامع الأحاديث مقاصد زيد السامية ، وغاياته الشريفة في نشر ما تحمله عن آبائه الهداة من الفضائل والمواعظ والأحكام .

فإنّه لا يريد بكل ذلك إلاّ إلقاء التعاليم الدينية والأخلاقية ، وإصلاح أمّة جدّه ( صلى الله عليه وآله ) بتهذيب أخلاقها ، وإرشادها إلى نهج الحق ، واستضاءتها بنور ذلك الدين الحنيف .

ومن هنا كان مصدراً لجمع كبير من حملة الآثار وعليه مُعولهم ، لما عرفوا منه غزارة في العلم والنزاهة .

إنّ أبا حنيفة أخذ العلم والطريقة من الإمام الباقر والإمام الصادق ( عليهما السلام ) ، ومن عمّه زيد بن علي بن الحسين ( عليهم السلام ) ، وتتلمذ على زيد مدّة سنتَين ، ولم يمنعه من التجاهر بذلك إلاّ سلطان بني أمية .

زهده وعبادته :

كان زيد بن علي ( عليه السلام ) يصلّي الفريضة ، ثمّ يصلّي ما شاء الله ، ثمّ يقوم على قدمَيه يدعو الله إلى الفجر يتضرّع له ، ويبكي بدموعٍ جارية حتّى يطلع الفجر ، فإذا طلع الفجر قام وصلّى الفريضة ، ثمّ جلس للتعقيب إلى أن يتعالى النهار .

ثمّ يقوم في حاجته ساعة ، فإذا كان قرب الزوال قعد في مُصَلاَّه سبح الله ومجدّه إلى وقت الصلاة ، وقام فصلّى الأولى وجلس هنيئة ، وصلّى العصر وقعد في تعقيبه ساعة ، ثمّ سجد سجدة ، فإذا غابت الشمس صلّى المغرب والعتمة ، وكان يصوم في السنة ثلاثة أشهر .

خُطبه :

كان زيد معروفاً بفصاحة المنطق وجزالة القول ، والسرعة في الجواب وحسن المحاضرة ، والوضوح في البيان والإيجاز في تأدية المعاني على أبلغ وجه .

وكان كلامه يشبه كلام جدّه علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) بلاغةً وفصاحة ، فلا بِدعَ إِذاً إن عَدَّهُ الجاحظ من خطباء بني هاشم ، ووصفه أبو إسحاق السبيعي والأعمش بأنّه أفصح أهل بيته لِساناً ، وأكثرهم بياناً .

ويشهد له أنّ هشام بن عبد الملك لم يزل منذ دخل زيد الكوفة يبعث الكتاب أثر الكتاب إلى عامل العراق ، يأمره بإخراج زيد من الكوفة ، ومنع الناس من حضور مجلسه ، لأنّه الجذّاب للقلوب بعِلمه الجم وبيانه السهل ، وأنّ له لساناً أقطع من السيف ، وأبلغ من السحر والكهانة .

البراءة من دعوى الإمامة :

من الجلي الواضح بُطلان نسبة دعوى الإمامة لتلك النفس المقدّسة والذات الطاهرة ، وكيف نستطيع أن ننسب له ذلك ونحن نقرأ جوابه لولده يحيى حينما سأله عن الأئمّة الذين يلون الخلافة ، وعليهم النص من النبي ( صلى الله عليه وآله ) .

فإنّ فيه صراحة بالبراءة من دعوى الإمامة ، واعتراف باستحقاق الإثني عشر من أهل بيت النبي ( صلى الله عليه وآله ) للخلافة .

وهذا نص الحديث الذي يحدّثنا عنه الحافظ علي بن محمّد الخزّاز الرازي القمّي في كفاية الأثر ، بإسناده إلى يحيى بن زيد قال : سألت أبي عن الأئمّة ( عليهم السلام ) فقال : الأئمّة اثنا عشر أربعة من الماضين ، وثمانية من الباقين .

قلت : فسمِّهم يا أبت ، قال : أمّا الماضون فعلي بن أبي طالب ، والحسن ، والحسين ، وعلي بن الحسين ( عليهم السلام ) ، وأمّا الباقون فأخي الباقر ، وابنه جعفر الصادق ، وبعده موسى ابنه ، وبعده علي ابنه ، وبعده محمّد ابنه ، وبعده علي ابنه ، وبعده الحسن ابنه ، وبعده المهدي .

فقلت : يا أبتِ أَلَستَ منهم ؟ قال : لا ، ولكن من العترة ، قلت : فمن أين عرفت أسماءهم ؟ قال : عهد معهود عهده رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .

ثورته :

إنّ السياسة الظالمة التي انتهجها الحكّام الأمويون ، وبالخصوص هشام بن عبد الملك كانت من أسباب ثورة زيد ، فالحكّام كانوا قد فرضوا ضرائب إضافية كالرسوم على الصناعات والحرف ، وعلى من يتزوّج ، أو يكتب عرضاً .

وقاموا بإرجاع الضرائب الساسانية ، التي تُسمى هدايا النيروز ، وكانوا في بعض الأحيان يتركون للولاة جميع ما تحت أيديهم من الأموال التي يجمعونها من الضرائب وغيرها ، وعلى سبيل المثال ترك الخليفة لواليه على خراسان مبلغ عشرين مليون درهم ، وضمّها الوالي لأمواله الخاصّة ، وأخذ يتصرّف بها كيف يشاء ، وهي من أموال المسلمين .

هذه صورة مصغّرة عن الوضع الاقتصادي المتدهور ، وسوء توزيع الثروة المخالف لمبادئ الإسلام وقوانينه ، بالإضافة إلى الظلم السياسي والقتل والإرهاب .

كُل ذلك دعا زيد إلى الثورة ضد هشام بن عبد الملك ، واختار الكوفة منطلقاً لثورته ودعا المسلمين لمبايعته ، فأقبلت عليه الشيعة وغيرها تبايعه حتّى بلغ عددهم من الكوفة فقط خمسة عشر ألف رجلاً .

علّق الكثير آمالهم على ثورة زيد ( رضوان الله عليه ) ، وكانوا يلحون عليه بالإسراع في ذلك ، ولكنّه لم يعلن الثورة من أجل أن يتولّى الخلافة والإمامة بنفسه ، لأنّه كان يعرف إمامه ، بل كان يدعو إلى الرضى من آل محمّد ( عليهم السلام ) ، طالباً الإصلاح في أمّة جدّه التي أذاقها الأمويون الظلم والجور .

شهادته :

ثار زيد مؤدّياً تكليفه الشرعي ، واستشهد في سبيل ذلك بالكوفة في اليوم الثالث من صفر 121 هـ ، وأمر الخليفة هشام بإخراج جثّته من قبره وصلبه عرياناً .

فكانت شهادته والتمثيل به حدثاً مروّعاً هز وجدان الأمّة الإسلامية ، وأذكى فيها روح الثورة ، وعجّل سقوط الحكم الأموي ، إذ لم يمضي على استشهاده أكثر من أحد عشر عامّاً مليئاً بالثورات والأحداث والانتفاضات حتّى انهار الحكم الأموي وولّى إلى الأبد .

روى جابر بن عبد الله بخصوص زيد الشهيد عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) للحسين ( عليه السلام ) : (يخرج رجل من صلبك يقال له زيد ، يتخطّى وأصحابه يوم القيامة رقاب الناس غُراً محجلين ، يدخلون الجنّة بغير حساب ) .

فسلام عليه يوم استشهد ويوم يبعث حيّاً ، وهنيئاً له الجنّة مع الشهداء والأنبياء والصالحين .

Advertisements